تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 532

مساهمون:

ص٥٣٢
تحريم الميتة : لو لم يرد فيهما الإباحة والحل عند الضرورة لكنّا نعرفه بالحرمة ، وذلك أخف وأهون ، والله أعلم . وقيل :
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها
في الثواب في العاقبة . وقيل « 1 » :
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها
في المنفعة
أَوْ مِثْلِها
في المنفعة . وقيل :
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها
وهو أن يظهر لكم به الخير في حق الاتباع . والمثل : في حق الأمر ؛ فيشترك أصحاب المنكرين للنسخ في حق الائتمار بالمثل ، ويفضلونهم بظهور الأخير . وهو كالصلاة إلى بيت المقدس ؛ كان لهم مثل ما لليهود في حق الائتمار ما كان ظهر لهم الأخير في وقت ظهور الأمر ، وأبهم الخير . وظهر عنده فيمن أبى : أن اتباعه لم يكن لأجل حق المتابعة ، بل لما كان عنده الحجة . فأما من جعله خيرا على البدل فاستدل بها الآخر رخصة وإباحة ، والإباحة ورودها للتخفيف . ومن استدل على أن النسخ - أبدا - يرد على ما هو أغلظ ، عورض بقوله :
فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ
[ النساء : 15 ] ، فأبدل بعقوبة أشد من الأول - وهو الرجم - بقوله : « خذوا عنى . خذوا عنى » . ويحتمل قوله :
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها
وجها آخر : وهو آية والآيات هي الحجج ؛ فيكون معناه : ما نرفع من حجة فننفيها عن الأبصار ، إلا نأت بخير منها يعنى أقوى منها في إلزام الحجة ، أو مثلها . ولا شك أن ما يعترض هو أقوى حالة الاعتراض في لزوم الحجة على ما غاب عن الأبصار ؛ فيكون قوله :
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها
على هذا الوزن ، أي : نأت بحجة هي أقوى وأكثر من الأولى ، أو مثلها في القوة . فإن قيل : ما الحكمة في النسخ ؟ وما وجهه ؟ قيل : محنة يمتحن بها الخلق ، ولله أن يمتحن خلقه بما يشاء ، في أي وقت شاء : يأمر بأمر في وقت ، ثم ينهى عن ذلك ، ويأمر بآخر . وليس في ذلك خروج عن الحكمة ، ولا كان ذلك منه لبداء يبدو له ، بل لم يزل عالما بما كان ويكون ، حكيما يحكم بالحق والعدل ؛ فنعوذ بالله من السرف في القول .
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 1774 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 197 ) .