تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
ثم ذمّ اللّه تعالى من يريد ذلك فقال تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ
( 23 ) ؛ فلا يسمعون الحقّ ولا يهتدون للرّشد ، يعني المنافقين الذين يفسدون في الأرض ، ويقطّعون أرحامهم ، ونسبهم اللّه تعالى إلى الصّمم والعمى لإعراضهم عن أمر اللّه تعالى ، وأمّا في مشاهدتهم فإنّهم لا يكونون صمّا ولا عميانا ، ومثله قوله تعالى :
وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ
« 1 » . قوله :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ؛
فتعرفوا ما يوعدون للمتمسّك بالقرآن ،
أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
( 24 ) ؛ يعني الطّبع على القلب ، وهذا استعارة لإغلاق القلب عن معرفة الإسلام والقرآن ، وكأنّ على قلوبهم أقفالا تمنعهم من الاستدلال . قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ؛
قال قتادة : ( هم كفّار أهل الكتاب ، كفروا بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وهم يعرفونه ويجدون صفته في كتابهم ، ونعته مكتوبا عندهم ) « 2 » . فمعناه : إنّ الذين رجعوا كفّارا من بعد ما ظهر لهم أمر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بنعته وصفته في كتابهم ،
الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ ؛
أي زيّن لهم القبيح ،
وَأَمْلى لَهُمْ
( 25 ) ؛ اللّه تعالى ؛ أي أمهلهم موسّعا عليهم ليتمادوا في طغيانهم ، ولم يعجّل عليهم بالعقوبة . ويحسن الوقوف على قول : ( سوّل لهم ) لأنه فعل الشيطان ، والإملاء فعل اللّه تعالى ، وعلى قول الحسن : لا يحسن الوقوف ؛ لأنّه يقال في تفسيره :
( وَأَمْلى لَهُمْ )
: مدّ لهم الشّيطان في العمل . وقرأ أبو عمرو ( وأملي لهم ) على ما لم يسمّ فاعله ، وهو حسن للفصل بين فعل الشّيطان وفعل اللّه تعالى ، ونعلم يقينا أنّه لا يؤخّر أحد مدّة أحد ولا يوسّع فيها إلّا اللّه تعالى . وقرأ مجاهد ( وأملي ) بضمّ الهمزة وإسكان الياء على معنى : وأنا أملي لهم .
هامش
( 1 ) الأحقاف / 26 . ( 2 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 24308 و 24309 ) .