تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
ومعنى الآية : تبارك وتعالى إن شاء يجعل لك خيرا مما قالوه في الدّنيا من جنات وقصور ، وإن شاء يجعل لك قصورا في الدّنيا ؛ أي لو شاء جعل لك أفضل من الكنز والبستان الذي ذكروا ، ويجعل لك جنات تجري من تحتها الأنهار يعني في الدّنيا ؛ لأنه قد شاء أن يعطيه في الآخرة . وقوله تعالى :
( وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً )
من قرأ بالجزم ، كان المعنى إن شاء جعل لك الجنات ويجعل لك قصورا في الدّنيا ، لأنه قد شاء ، وإنّما لم يجعل الحكمة التي أوجبت لك . قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم : ( ويجعل ) بالرفع على الاستئناف بمعنى : وسيجعل لك قصورا في الجنّة في الآخرة . والقصور : هي البيوت المشيّدة ، سمّي القصر قصرا ؛ لأنه قصر ومنع من الوصول إليه . وعن ابن عبّاس أنه قال : ( لمّا عيّر المشركون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالفاقة فقالوا : ما لهذا الرّسول يأكل الطّعام ويمشي في الأسواق ، ويمشي في المعاش ، تعب « 1 » رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك ، فنزل جبريل عليه السّلام معزّيا له ، فقال له : يا رسول اللّه ؛ ربّك يقرؤك السّلام ويقول :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ
لطلب المعاش في الدّنيا . فبينما جبريل والنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يتحدّثان إذ أقبل رضوان خازن الجنان فسلّم على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ومعه سفط من نور يتلألأ ، فقال : يا رسول اللّه ؛ ربّك يقرؤك السّلام ، ويقول لك : هذه مفاتيح خزائن الدّنيا مع أنّه لا ينقص حظّك في الآخرة جناح بعوضة ، فنظر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى جبريل مشيرا ، ثمّ قال : [ يا رضوان ؛ لا حاجة لي فيها ، العفو أحبّ إليّ وأن أكون عبدا صابرا شكورا حامدا من السّماء ] فرفع جبريل رأسه ، فإذا السّموات قد فتحت أبوابها إلى العرش ، فأوحى اللّه تعالى إلى جنّات عدن أن تدلي أغصانها ، فإذا غرفة من زبرجدة خضراء لها سبعون ألف باب من ياقوتة حمراء ، فقال جبريل : يا محمّد ارفع بصرك ، فرفع فرأى منازل الأنبياء قد فصل بها من دونهم ، وإذا بمناد : أرضيت يا محمّد ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ قد رضيت ] ) « 2 » .
هامش
( 1 ) في أسباب النزول للواحدي : ص 224 : ( حزن ) . ( 2 ) أخرجه الواحدي في أسباب النزول : ص 224 - 225 .
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 459 | الطبراني