تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
الولد في بطن أمّه معتمدا على رجليه وراحة يديه على ركبتيه وظهره إلى وجه الأم ، ووجهه إلى ظهرها حتى لا تتأذى الأمّ بنفسه . وإنّما خلق اللّه عينيه في رأسه لتكون مشرفة على جميع الأعضاء في الجهات كلها ، كالطّليعة للعسكر ، وأصلح المواضع للطلائع المكان المشرف ، وجعلهما في كهفين حراسة لهما وتوفيرا لضوئهما ، وجعل لهما الهدب ليدفع ما نظر إليهما . وخلق اللّه الأنف لينحصر فيه الهواء المستنشق لترويح الرّئة والدماغ . وخلق الفم وعاء لجميع الكلام ، وخلق اللّسان آلة للنّطق ، ولتقليب الطعام الممضوغ ، والمضغ يكون في جانبي الفم حراسة لأداة النّطق . وخلق الشّفتين غطاء للفم والأسنان ، ويحجب اللّعاب ، ومعينا على الكلام ، وجمالا في الصّورة ، والأسنان تقطّع ؛ والأنياب تكسر ؛ والأضراس تطحن . وخصّ الفكّ الأسفل بالتحريك ؛ لأن تحريك الأخفّ أحسن ، لأن الأعلى يشتمل على الأعضاء الشّريفة فلم يخاطرها في الحركة ؛ لأن الحركة تضعفها . وجعل ماء الأذن مرّا لئلّا يقيم فيه الهوام ، فإذا دخل الأذن دابّة لم يكن لها همّ إلّا الخروج . وجعل ماء العين مالحا لئلّا يذوب ، وجعل ماء الفم عذبا ليطيّب طعم الطعام . وخلق اللّه الأصابع آلة لعمل الأشياء كالكتابة والصّناعة والخياطة ، وجعلها على الكفّ لتحفظ ما يجعل فيها ، ولم يخلق الأصابع خالية من العظام لتكون أفعالها قويّة ، ولم يجعل عظامها مجوّفة لتكون أقوى على القبض والحركات . وجعل القلب في وسط الصّدر لأنه أعدل الأماكن وقد ميّل قليلا إلى اليسار ليبعد عن الكبد ، والرّئة ، وغطاء للقلب ووقاية له ، وهو بيت النّفس ومنزل الفرح . وخلق اللّه الأمعاء كثيرة التّلافيف ليطول ستر الغذاء ، فلا يحتاج الإنسان إلى الغذاء في كلّ وقت ، وخلق اللّه القدم أخمص ليمسك الماشي في الدّرج . قوله تعالى :
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
( 14 ) ؛ أي المصوّرين المحوّلين من حال إلى حال ، ومعنى قوله ( تبارك الله ) أي استحقّ التعظيم والثناء ، وقيل : دام لم يزل ولا يزال . وقوله تعالى :
( أَحْسَنُ الْخالِقِينَ )
لا يقتضي أن يكون معه