تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
قوله تعالى :
( فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا )
أي جبريل عليه السّلام ، خصّ بالإضافة إلى اللّه تعالى تشريفا له ، وسمّي روحا ؛ لأن الناس يحيون بما جاء في أديانهم ، كما يحيون بأرواح أبدانهم . قوله تعالى :
قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
( 19 ) أي لأهب لك بأمر اللّه ولدا صالحا طاهرا من الذنوب . ومن قرأ : ( ليهب لك غلاما زكيّا ) فالمعنى ليهب اللّه لك . قوله تعالى :
قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ؛
أي من أين يكون لي ولد ،
وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ؛
ولم يقربني زوج ،
وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا
( 20 ) ؛ أي ولم أكن فاجرة زانية ، والباغية هي الطالبة للزّنى . قال ابن عبّاس : ( قالت مريم ليس لي زوج ، ولست بزانية ، ولا يكون الولد إلّا من الزّوج أو الزّنى ) . قوله تعالى :
قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ ؛
أي قال لها جبريل ، كما قلت لك قال ربّك :
هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ؛
أي خلقه عليّ هيّن من غير هاتين الجهتين ، كخلق آدم ، لا أب ولا أمّ . قوله تعالى :
وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا ؛
أي لنجعله دلالة على قدرتنا ورحمة للخلق ، وقيل : ورحمة لمن اتّبعه على دينه وصدقه وكان خلقه ،
وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا
( 21 ) ؛ أي محكوما به مفروغا منه ، سابقا في علم اللّه أن يقع . قوله تعالى :
* فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا
( 22 ) ؛ وذلك أنّها لمّا سمعت كلام جبريل اطمأنّت إلى قوله ، فدنا منها ونفخ في جيبها ، فوصلت تلك النفخة إلى بطنها فحملت بعيسى عليه السّلام . وقيل : نفخ جبريل بها من بعيد فوصلت النفخة إليها فحملت . فلما ظهر حملها انتبذت أي خرجت وانفردت ، وتنحّت بولادتها إلى مكان بعيد من الناس . والانتباذ : مأخود من نبذت الشيء إذا رميت به ، وجلس نبذة أي ناحية ، والقاصي والقصيّ خلاف الدّاني . واختلفوا في مدّة حملها ، فقال بعضهم : تسعة أشهر كحمل سائر النّساء على ما جرت به العادة ، وقال : بعضهم ثمانية أشهر ، وكان ذلك آية أخرى ؛ لأنه لم يعش