بعد ذلك إلى مكة فسكنها حتى مات بها « 1 » وقال أبو يعلى في طبقات الحنابلة :
قد أقام ببغداد ثم ولي القضاء بطرسوس ثماني عشرة سنة وخرج بعد ذلك إلى مكة فسكنها حتى مات بها « 2 » .
وقد كان أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي الثاني قد أنهى بناء بغداد وسكنها سنة ست وأربعين ومائة « 3 » فظلت مركزا للخلافة في عهد المهدي والهادي والرشيد والأمين فغدا أمرا بدهيا أن تظل في حكمهم موطدة الأركان مزدهرة العمران ، عزيزة السلطان يكدر صفوها تلك الثورات والهجمات المتوالية بين الحين والآخر .
وكمثال على ذلك نكبة هارون الرشيد سنة سبع وثمانين ومائة للبرامكة ومحوه آثارهم من مدينة دار السلام ، وفي ذلك يقول ابن كثير : قتل جعفر بن يحيى البرمكي ، ودمر ديارهم ، واندرست آثارهم ، وذهب صغارهم وكبارهم اه « 4 » . وهو حدث كبير الخطورة إذ كان للبرامكة من العزة والسلطان عند الرشيد وعامة الناس القدر الذي يضاهي منزلة الخليفة ويكاد يعلو عليه .
على أن أعظم رزية حلت ببغداد محاصرة طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين للخليفة الأمين بدار السلام بأمر من المأمون ، وذلك بعد أن نشب النزاع بين الأخوين على إثر نزع الأمين ولاية العهد من أخيه المأمون وجعلها في ابنه موسى .
ولقد أسفر هذا الحصار عن قتل الأمين بعد أن عم الخراب بغداد وأصابها الذعر والجوع ، قال ابن كثير يصف تلك الحالة : واشتد الحال على أهل البلد وأخاف الدّعار والشطار أهل الصلاح ، وخربت الديار وصارت الفتنة بين الناس حتى قاتل الأخ أخاه للأهواء المختلفة ، والابن أباه ، وجرت شرور عظيمة واختلفت الأهواء وكثر الفساد والقتل داخل البلد « 5 » .
هامش
( 1 ) انظر : تاريخ بغداد 12 / 403 .
( 2 ) انظر : طبقات الحنابلة 1 / 260 .
( 3 ) البداية والنهاية 10 / 96 .
( 4 ) البداية والنهاية 10 / 189 .
( 5 ) البداية والنهاية 10 / 237 ، 243 .