وبعد طرسوس نزل أبو عبيد مصر بصحبة يحيى بن معين سنة ثلاث عشرة ومائتين وكتب وصنف بها « 1 » .
وفي سنة تسع عشرة ومائتين وقيل سنة أربع عشرة ومائتين خرج أبو عبيد من العراق إلى مكة للحج « 2 » . فلما عزم العودة إلى العراق واستأجر مركبا بعد الفراغ من حجه رأى رؤيا كانت سببا في مجاورته للبلد الأمين حتى مات .
قال أبو عبيد : فرأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم في النوم وهو جالس على فراشه وقوم يحجبونه والناس يدخلون إليه ويسلمون عليه ويصافحونه . قال : فلما دنوت لأدخل مع الناس منعت فقلت لهم : لم لا تخلّون بيني وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟
فقالوا : إي واللّه ، لا تدخل إليه ولا تسلم عليه وأنت خارج غدا إلى العراق فقلت لهم : فإني لا أخرج إذا ، فأخذوا عهدي ثم خلوا بيني وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فدخلت وسلمت وصافحت ، فلما أصبح قرر الإقامة في مكة فلم يغادرها حتى مات « 3 » .
الحالة العلمية في عصره
: لقد عاش أبو عبيد القاسم بن سلّام في أرقى عصور الإسلام من الجانب العلمي والفكري . إذ في العصر العباسي الأول أيام خلافة هارون الرشيد ، المهدي ، الهادي ، المأمون مثلا ، ظهر في حاضرة بلاد الإسلام علماء أجلاء قعّدوا العلوم وأصّلوها وأفردوها بالتصنيف والإضافة والتكميل فكان بحق العصر الذهبي لعلوم هذا الدين .
وقد حفل معظم خلفاء بني العباس بالعلم وأولوه عنايتهم وقربوا العلماء وأعلوا منازلهم كالخليفة المهدي فإنه أول من أمر بتصنيف كتب الجدل في الرد على الزنادقة والملحدين « 4 » . وهارون الرشيد الذي أحال بغداد قبلة لطلاب العلم
هامش
( 1 ) انظر : التهذيب 8 / 315 ، 316 .
( 2 ) انظر : نزهة الألباء ص 141 ، وتهذيب الأسماء واللغات الجزء الثاني من القسم الأول / 258 . ومعجم الأدباء 8 / 254 .
( 3 ) انظر : معجم الأدباء 8 / 256 ، 257 ، إنباه الرواة 21 ، مرآة الجنان 2 / 85 ، 86 ، طبقات النحويين واللغويين 2190 .
( 4 ) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 271 .