فكنى عن الشرّ وإنما ذكر الخير وحده ، وذلك أن الشرّ يذكر مع الخير ، وهي في قراءة عبد اللّه ( إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا فهي إلى الأذقان ) فكفت الأيمان من ذكر الأعناق في حرف عبد اللّه ، وكفت الأعناق من الأيمان في قراءة العامّة . والذقن أسفل اللحيين . والمقمح : الغاضّ بصره بعد رفع رأسه . ومعناه : إنا حبسناهم عن الإنفاق في سبيل اللّه .
وقوله :
فَأَغْشَيْناهُمْ
[ 9 ] أي فألبسنا أبصارهم غشاوة . ونزلت هذه الآية في قوم أرادوا قتل النبىّ صلى اللّه عليه وسلم من بنى مخزوم ، فأتوه في مصلّاه ليلا ، فأعمى اللّه أبصارهم عنه ، فجعلوا يسمعون صوته بالقرآن « 1 » ولا يرونه . فذلك قوله
( فَأَغْشَيْناهُمْ )
وتقرأ ( فأعشيناهم ) بالعين . أغشيناهم عنه ؛ لأن العشو بالليل ، إذا أمسيت وأنت لا ترى شيئا فهو العشو .
وقوله :
وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا
[ 12 ] أمّا ما قدّموا فما أسلفوا من أعمالهم . وآثارهم ما استنّ به من بعدهم . وهو / 156 ا مثل قوله
( يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ
« 2 »
يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ )
.
وقوله
( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ )
القراء مجتمعون على نصب ( كلّ ) لما وقع من الفعل على راجع ذكرها . والرفع وجه جيّد ؛ قد سمعت ذلك من العرب ؛ لأنّ ( كلّ ) « 3 » بمنزلة النكرة إذا صحبها الجحد ؛ فالعرب تقول : هل أحد ضربته ، وفي ( كلّ ) مثل هذا التأويل ، ألا ترى أن معناه : ما من شئ إلّا قد أحصيناه .
وقوله :
إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ
[ 14 ] والثالث قد كان أرسل قبل الاثنين فكذّب . وقد تراه في التنزيل كأنه بعدهما . وإنما معنى قوله
( فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ )
: بالثالث الذي قبلهما ؛ كقولك : فعزّزنا بالأوّل . والتعزيز يقول : شدّدنا أمرهما بما علّمهما الأوّل شمعون . وكانوا أرسلوا إلى أنطاكية « 4 » . وهي في قراءة عبد اللّه ( فعزّزنا بالثالث ) لأنه قد ذكر في المرسلين « 5 » ، وإذا
هامش
( 1 ) ا : « بالقراءة » .
( 2 ) الآية 13 سورة القيامة .
( 3 ) كذا . وكأنه منعها الصرف لأنه أراد الكلمة ، فاجتمع فيها العلمية لأنها علم على اللفظ ، والتأنيث .
( 4 ) هي مدينة من أعمال حلب في سورية .
( 5 ) أي في قوله تعالى في الآية السابقة « إذ جاءها المرسلون » .