قوله :
أَوْ كَظُلُماتٍ
[ 40 ] والظلمات مثل لقب الكافر ، أي أنه لا يعقل ولا يبصر ، فوصف قلبه بالظلمات . ثم قال :
( إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها )
فقال بعض المفسّرين : لا يراها ، وهو المعنى ؛ لأن أقل من الظلمات التي وصفها اللّه لا يرى فيها الناظر كفّه . وقال بعضهم إنما هو « 1 » مثل ضربه اللّه فهو يراها ولكنه لا يرها إلّا بطيئا ؛ كما تقول : ما كدت أبلغ إليك وأنت قد بلغت . وهو وجه العربية . ومن العرب 128 ب من يدخل كاد ويكاد في اليقين فيجعلها بمنزلة الظن إذا دخل ، فيما هو يقين ؛ كقوله
( وَظَنُّوا
« 2 »
ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ )
في كثير من الكلام .
وقوله :
وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ
[ 41 ] وتسبيحه ترفع كلّا بما عاد إليه من ذكره وهي الهاء في
( صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ )
وإن شئت جعلت العلم لكل ، أي كل قد عاد صلاته وتسبيحه فإن شئت جعلت الهاء صلاة نفسه وتسبيحا . إن شئت : تسبيح اللّه وصلاته التي نصلّيها له وتسبيحها ، وفي القول الأوّل : كلّ قد علم اللّه صلاته وتسبيحه . ولو أتت كلّا قد علم بالنصب على قولك : علم اللّه صلاة كلّ وتسبيحه فتنصب لوقوع الفعل على راجع ذكرهم . أنشدني بعض العرب :
كلّا قرعنا في الحروب صفاته * ففررتم وأطلتم الخذلانا « 3 »
ولا يجوز أن تقول : زيدا ضربته . وإنما جاز في كلّ لأنها لا تأتى إلّا وقبلها كلام ، كأنها متّصلة به ؛ كما تقول : مررت بالقوم كلّهم ورأيت القوم كلّا يقول ذلك ، فلمّا كانت نعتا مستقصى به كانت مسبوقة بأسمائها وليس ذلك لزيد ولا لعبد « 4 » اللّه ونحوهما ؛ لأنها أسماء مبتدءات .
وقد قال بعض النحويين : زيدا ضربته ، فنصبه بالفعل كما تنصبه إذا كان قبله كلام . ولا يجوز ذلك إلا أن تنوى التكرير ، كأنه نوى أن يوقع ب : يقع الضرب على زيد قبل أن يقع على الهاء ، فلمّا تأخّر الفعل أدخل الهاء على التكرير . ومثله ممّا يوضحه .
هامش
( 1 ) ا : « هذا » .
( 2 ) الآية 48 سورة فصلت .
( 3 ) الصفاة : الصخرة الملساء . ويقال : قرع صفاته إذا آذاه ونال منه .
( 4 ) ا : « عبد اللّه » .