تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معاني القرآن — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
قلت : هذا مجزوم بنيّة الأمر ؛ لأن أوّل الكلام نهى ، وقوله ( ولكن ) نسق وليست بجواب . فأراد : ولكن ليكن للخير فيك نصيب . ومثله قول الآخر :
من كان لا يزعم أنى شاعر * فيدن منى تنهه المزاجر
فجعل الفاء جوابا للجزاء ، وضمّن ( فيدن ) لاما يجزم [ بها ] « 1 » . وقال الآخر :
فقلت ادعى وأدع فإنّ أندى * لصوت أن ينادى داعيان « 2 »
أراد : ولأدع . وفي قوله ( وأدع ) طرف من الجزاء وإن كان أمرا قد نسق أوّله على آخره . وهو مثل قول اللّه عزّ وجلّ :
« اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ »
« 3 » واللّه أعلم . وأما قوله :
« ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ »
« 4 » فليس تأويل جزاء ، إنما هو أمر محض ؛ لأن إلقاء الواو وردّه إلى الجزاء ( لا يحسن فليس إلى الجزاء ) ؛ ألا ترى أنه لا يحسن أن تقول ذروني أقتله يدع ؛ كما حسن « اتّبعوا سبيلنا تحمل خطاياكم » . والعرب لا تجازى بالنهى كما تجازى بالأمر . وذلك أن النهى يأتي بالجحد ، ولم تجاز العرب بشيء من الجحود . وإنما يجيبونه بالفاء . وألحقوا النهى إذا كان بلا ، بليس « 5 » وما وأخواتهن من الجحود . فإذا رأيت نهيا بعد اسمه فعل فارفع ذلك الفعل . فتقول : لا تدعنّه يضربه ، ولا تتركه يضربك . جعلوه رفعا إذ لم يكن آخره يشاكل أوّله ؛ إذ كان أوّله جحد وليس في آخره جحد . فلو قلت : لا تدعه لا يؤذك جاز الجزم والرفع ؛ إذ كان أوّله كآخره ؛ كما تقول في الأمر : دعه ينام ، ودعه ينم ؛ إذ كان لا جحد فيهما . فإذا أمرت ثم جعلت في الفعل ( لا ) رفعت ؛ لاختلافهما
هامش
( 1 ) زيادة في شرح شواهد المغني للبغدادي 2 / 116 . ( 2 ) قائله الأعشى ، ونسب إلى غيره . راجع العيني ج 4 / 392 ه الخزانة . ( 3 ) آية 12 سورة العنكبوت . ( 4 ) آية 26 سورة غافر . ( 5 ) هذا متعلق بقوله : « ألحقوا . . . » ، وفي الأصلين ش ، ج : « وبليس » .
معاني القرآن — صفحة 160 | يحيى بن زياد الفراء