وانقطع هاهنا قول اللّه تعالى .
وقال الجن :
وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ( 8 )
[ الجن : 8 ] .
و ( إنّا ) مكسورة نسق على ما تقدم من قولهم . يريدون : حرست بالنجوم من استماعنا وكنا قبل ذلك نقعد منها مقاعد للسمع .
وروى عبد الرّزّاق عن معمر أنه قال : قلت للزهري : أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية ؟ فقال : نعم .
قلت : أفرأيت قوله :
وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً ( 9 )
[ الجن : 9 ] .
فقال : غلّظت وشدّد أمرها حين بعث النبي ، صلّى اللّه عليه وسلم .
وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزّهري ، عن علي بن حسين ، عن ابن عباس أنه قال : بينا النبي ، صلّى اللّه عليه وسلم ، جالس في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم فاستنار ، فقال : ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية ؟ فقالوا : كنا نقول : يموت عظيم أو يولد عظيم « 1 » .
في حديث فيه طول اختصرناه وذكرنا هذا منه لندلّ على أن الرجم قد كان قبل مبعثه ولكنه لم يكن مثله الآن في شدة الحراسة قبل مبعثه ، وكانت تسترق في بعض الأحوال ، فلما بعث منعت من ذلك أصلا .
وعلى هذا وجدنا الشعراء القدماء :
قال بشر بن أبي خازم الأسدي وهو جاهلي « 2 » :
هامش
( 1 )
لفظ الحديث بتمامه : عن عبد اللّه بن عباس قال : أخبرني رجل من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم من الأنصار ، أنهم بينا هم جلوس ليلة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رمي بنجم فاستنار . فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما ذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا ؟ » ، قالوا : اللّه ورسوله أعلم ، كنا نقول : ولد الليلة رجل عظيم ومات رجل عظيم . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته ، ولكن ربنا تبارك وتعالى اسمه ، إذا قضى أمر سبّح حملة العرش ، ثم سبّح أهل السماء الذين يلونهم ، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا . ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش : ما ذا قال ربكم ؟ فيخبرونهم ما ذا قال . قال : فيستخبر بعض أهل السماوات بعضا ، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا ، فتختطف الجن السمع ، فيقذفون إلى أوليائهم ، ويرمون به ، فما جاءوا به على وجهه فهو حق ، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون » . أخرجه مسلم في السلام حديث 124 ، والترمذي في تفسير سورة 34 ، باب 3 ، وأحمد في المسند 1 / 218 .
( 2 ) البيت من الكامل ، وهو لبشر بن أبي حازم في ديوانه ص 37 ، والمعاني الكبير 2 / 739 ، وكتاب