قوله : فَتَمّ خلقُه بأَمرِهِ .
وقال الإِمام الوبريُّ : تَمّ خلقُه أَي كُلُّ شيءٍ خَلَقَه - على تمامِ ما يَصلُح له - منقادٌ غيرُ ممتنعٍ من إِمضاءِ أمرِه فيه .
والأَمرُ : القضاءُ في قوله :
« يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ »
« 1 »
.
والأَمرُ : القِيامةُ في قوله تعالى :
« أَتى أَمْرُ اللَّهِ »
« 2 »
.
والأَمرُ : الدّين في قوله :
« وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ »
« 3 » أَي دِينُ اللَّه .
والأَمرُ : العذابُ في قوله :
« وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ »
« 4 »
.
ومصيرُ جميعِ هذه الامورِ إلى اللَّه في قوله :
« أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ »
« 5 »
.
« 6 »
قوله : فَسُبحانَ البارِئ لِكُلِّ شَيءٍ على غَيرِ مِثالٍ خَلَا مِن غَيرِهِ .
قال الإِمام الوبريّ : هذا بيانٌ واضحٌ أَنّ ما أَحكَمَه وأَتقَنَه من أَفعالِه لا يجوزُ اختراعُه من غيرِ علمٍ به في حالِ عَدَمِه ، ولا يصحّ الاحتذاءُ فيه بمثالٍ من جهتِه ؛ لحاجةِ المثالِ إِلى كونِه عالِماً . ولو لم يكن عالِماً بالمعدومِ مفصَّلًا ، فيجب أَن يكون ذلك المثالُ من فعلِ غيرِه حتّى يحتَذِيَ هو به ، فيكون فعلُه علماً . وذلك الغيرُ لابدّ من أَن يكونَ عالِماً لنفسِه . فإِن كان يكفي في إحكامِ الأَفعالِ انسدَّ بابُ الإِحكام ، ولا يقال في جميع الأَفعالِ ، وذلك بخلافِ المعقولِ ، فلا بدّ من أَمثلةٍ لا نهايةَ لَها ، وإِثباتِ فاعلين لا نهايةَ لهم ، لكلِّ فاعلٍ مثالٌ من جهةِ غيرِه .
وقد نبّه على هذا بقوله حيث قال : على غير مثال خلا من غيره ؛ لأَنّ إِثباتَ المثالِ من جهتِه متعذِّر ، فلا بدَّ من فاعلٍ سواه يفعَلُ المثالَ . وليس الواحدُ بأَولى ممّا لا نهايةَ له ،
هامش
( 1 ) . سورة السجدة ، الآية 5 .
( 2 ) . سورة النَّحل ، الآية 1 .
( 3 ) . سورة التوبة ، الآية 48 .
( 4 ) . سورة إبراهيم ، الآية 22 .
( 5 ) . سورة الشورى ، الآية 53 .
( 6 ) . معارج ، ص 550 .