الوسوسة في أمثال هذه المسألة ممّا جرت فيها طريقة أهل الحق على مخالفة أهل الباطل - بل عُدّ من الأمور المخصوصة بالفرقة الحقّة في مقابل مخالفيهم - من سُوء الاستنباط .
ثمّ من جملة ما يمكن أن يستفاد القدح في هذا الراوي الجليل ما حكاه الإربلي في كشف الغمّة عن إسحاق بن عمّار قال : أقبل أبو بصير مع أبي الحسن - يعني الكاظم عليه السلام - من المدينة يريد العراق ، فنزل زبالة فدعى بعلي بن أبي حمزة البطائني ، وكان تلميذاً لأبي بصير ، فجعل يوصيه بحضرة أبي بصير فقال : يا علي ، إذا صرنا إلى الكوفة تقدّم في كذا . فغضب أبو بصير ، فخرج من عنده فقال : [ لا واللَّه ] ما أرى هذا الرّجل وأنا أصحبه منذ حين ، ثمّ يتخطّأني بحوائجه إلى بعض غلماني ! فلمّا كان من الغد حمّ أبو بصير بزبالة ، فدعى بعلي بن أبي حمزة فقال : أستغفر اللَّه ممّا حلّ في صدري من مولاي ، ومن سوء ظنّي أنّه كان قد علم أنّي ميّت ، وأنّي لا ألحق بالكوفة ، فإذا أنا متّ فافعل بي كذا وتقدّم في كذا ، فمات أبو بصير بزبالة « 1 » .
والوجه الّذي يمكن أن يتخيّل في مقام القدح فيه ما صدر منه من سوء الأدب من قوله عند التعبير عن شخص الإمام بقوله « هذا الرّجل » ، وأيضاً ما صدر منه من الغضب مع أنّ فعل الإمام ممّا لا يجوز المناقشة فيه من أهل الحقّ .
لكن يمكن الجواب عنهما : بأنّ تعبيره بقوله « هذا الرّجل » ليس صادراً عنه على وجه التحقير والإهانة ، بل هذا شيء قد يقال في مقام إظهار الشكاية والتضجّر عن عمل شخص من الأصدقاء والأحبّاء والخلطاء ، ومنشأ ضيق الصّدر عن أمر يكرهه ويتنفّر عنه طبعه ، كما أنّ الغضب أيضاً ينشأ من ذلك .
لكن الظاهر من استغفاره وقوله « أستغفر اللَّه ممّا حلّ في صدري من مولاي ومن سوء ظنّي » بعد ندامته والتفاته بما اشتبه عليه من الأمر أنّه علم من نفسه أنّ ما صدر عنه كان من الخطايا والمعاصي ، ولذا قال بعضهم : وهذا الحديث وإن كان ينافي الوقف ظاهراً ، إلّاأنّه يظهر منه قدح عظيم فيه ، لكنّه غير مضرّ بالنّسبة إلى أحاديثه ، لكن هذه الحالة في آخر عمره ، ولم يلبث إلى أن مات . والّذي أراه أنّ استغفاره باعتبار ما توهّمه
هامش
( 1 ) . كشف الغمة ، ج 3 ، ص 39 .