والقبول المنبعث عن عدم الإجبار ، موجبٌ لاستحقاق الجنّة والنار ، كما قرّر في الأديان .
ومن هذا يظهر أيضاً معنى قوله عليه السلام : « وهما الشيئان المتّفقان المختلفان » أي متّفقان في القدرة والاختيار وصلاحيّتها للصدور من الإنسان ، ومختلفان في الثواب والعقاب ، أو في تعلّق الإرادة الفعليّة بهما . واللام للعهد بما في السؤال المذكور بالصفات المتقابلة ، ولعلّه سقط ضمير الموصول عن القلم .
قوله عليه السلام : « وهما المرجوّان ونصّ به الرّحمن » إلى قوله « تكذّبان » جوابٌ عن الشيطانين في السؤال . وهذا شروعٌ في بيان معنى الآية على وجه تبيّن منه حقيقة أصل المسألة ، فقال النعمتان المرجوّتان في الآية هما الكفر والإيمان ، فإنهما باعتبار خلق القدرة عليهما المفهوم من قوله تعالى
« خَلَقَ الْإِنْسانَ »
نعمة ، وباعتبار هداية اللَّه سبحانه سبيل الحق منهما المدلول عليه بقوله سبحانه
« عَلَّمَهُ الْبَيانَ »
نعمة أخرى ، ثمّ ذكر الآية الشريفة استشهاداً للإفادة وتنبيهاً على كونها تفصيلًا لمعنى الآية الأولى .
والمراد امتزاج بحر الخير والشرّ باعتبار اجتماع دواعيهما في فطرة الإنسان ، وآثارهما وهي ضميرهما في قلبه ، كما ورد كلّ ذلك في معتبرة الأخبار .
وهذان البحران أحدهما بحر اجاجٌ والآخر عذبٌ فراتٌ . والأوّل وإن كان ممنوعاً عن التناول ، كما أنّ البحر الأجاج ممنوع من الشرب والاستعمال ، إلّاأنّه يحصل به الامتحان ولزوم مدافعة الشيطان في تسويله في الجَنان وتزيينه في النظر القاصر ، ومنه يخرج لُاولي السعادات الأبديّة الحاصلة من المجاهدة كما تخرج اللآلئ من البحر الأجاج .
وهما يلتقيان في فطرة الإنسان وضميره ، ولكن بينهما حاجزٌ من العقل والاختيار الذي وهبه اللَّه سبحانه بلطفه للإنسان ، فمجرّد كونهما مخلوقين ملتقيين لا يستلزم