وبيان ذلك أنّ الشيعة موفّقة لما نقلتْه ميسّرة ، والناصبة مجيبةٌ فيما حملته منجزةٌ ؛ لنقل هذه الفرقة ما هو دليل لها في دينها ، وحمل تلك ما هو حجّة لخصمها دونها ، وإلّا فلِم رَوى أحدُ الناقلَين ما هو كذبٌ عنده ، وشَهد بما يعتقدُ ضدَّه ، وكيف أَقرّ بما يحتجّ به خصمه ، وسطر ما يخالفه علمه ؟ ! وقد جرت العادةُ بخلاف ذلك ، فرأينا العاقل لم يزل منكراً لما يرى بطلانه ، والفاضل جاحداً لما يخالف إيمانه ، والمعتقد على أمرٍ تتوفّر دواعيه إلى دفع ما يبطله عليه ، والمعتمد على رأي تنفر طباعه ممّا يضادّه وينافيه ، لا ينكر ما ذكرناه إلّامَن دفع العادات وأنكر المشاهدات !
وفي علمنا بذلك - مع نقل الصنفَين المتباغِضَين ، وحمل الرهَطين المتعاديين ، للفن الواحد من النصّ الوارد - ببيان أنّ اللَّه تعالى لطف به للمسترشدين ويسّره للمستبصرين ، فأجراه على ألسنة المختلفين ، وأنطق به أفواه المتباينين ، إقامة لحجّته البالغة على العالمين ، وتكملة لنعمته السابقة لدى المستدلّين .
بل هو ضرب من الآيات الباهرات في خرق اللَّه تعالى لمستمرّ العادات التي لا يغيرها إلّالخطبٍ عظيم ، وإقامة الحجّة بحقّ يقين ، فرحم اللَّه من اعتبر ، وأحسن لنفسه النظر .
فأمّا إنكار العامّة لما نقوله من ذلك عند المناظرة ، ودفعهم له في حال المُحاجّة على سبيل المكابرة ، فهو غير قادح في الاحتجاج به عليه ، ولا مؤثّر فيما هو لازم لهم ؛ إذا كان من اطّلع في أحاديثهم وجدهُ منقولًا عن ثقاتهم ، ومن سَمع مِن رجالهم رواه « 1 » في خلال أسانيدهم .
هامش
( 1 ) . في ط : رآه .