ذلك الإبقاء على قداسة كلا الطرفين اللذين اختلفوا وتخاصموا مع علي عليه السّلام ؛ عملا أو لفظا ، مع أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله كان يكرّر - على مسامع المسلمين - هذه المقولة : « علي مع الحقّ ، والحقّ مع علي » « 1 » .
وقد تذرّع هؤلاء بأمرين عدّوهما سببا لعدم وقوفهم إلى جانب الإمام علي عليه السّلام ، وهما : إراقة دماء المسلمين ، ولزوم جماعة المسلمين .
وكان من خصائص عبد اللّه اللافتة للنظر أنّه يولي أهمية عظمى ل « جماعة المسلمين » ، وظلّ ملتزما بذلك حتّى بعد عهد أمير المؤمنين عليه السّلام ، فكان مطيعا لكلّ أمير وصاحب سلطان . فعن زيد بن أسلم : « أنّ ابن عمر كان في زمان الفتنة لا يأتي أمير إلّا صلّى خلفه ، وأدّى إليه زكاة ماله » « 2 » . وكان يقول : « لا أقاتل في الفتنة ، وأصلّي وراء من غلب » « 3 » ، حتّى إنّه كان يصلّي مع الحجّاج بمكة « 4 » ، وهو الذي لم يسلم من انتقاد أحد من علماء أهل السنّة « 5 » .
ونقل الكشّي في ترجمة أسامة بن زيد رواية عن الإمام الباقر عليه السّلام ، روى فيها أنّ عبد اللّه قد عوتب بسبب انعزاله ، وعدم حضوره مع الإمام علي عليه السّلام في حروبه « 6 » .
هذا وقد أعلن عبد اللّه فيما بعد ندمه على ترك نصرة الإمام علي عليه السّلام ، حيث قال : « ما أجد في نفسي شيئا إلّا أنّي لم أقاتل الفئة الباغية مع علي بن أبي طالب » « 7 » .
هامش
- الصحابة . وأمّا من التابعين : ربيع بن خثيم ، مسروق بن أجدع ، الأسود بن يزيد ، أبو عبد الرحمان السلمي . راجع الاستيعاب 1 : 77 ، مروج الذهب 3 : 15 .
( 1 ) . وردت هذه العبارة ما يقرب من 36 مرّة في كتاب بحار الأنوار . وانظر : صحيح الترمذي 5 : 633 ، التفسير الكبير للرازي 1 : 205 ، مجمع الزوائد 7 : 235 ، تاريخ بغداد 14 : 321 .
( 2 ) . الطبقات الكبرى 4 : 149 ، حلية الأولياء 1 : 294 .
( 3 ) . الطبقات الكبرى 4 : 149 .
( 4 ) . المصدر السابق .
( 5 ) . ذكر أهل السنّة حديثا منسوبا إلى النبي صلّى اللّه عليه واله أنّه قال : « يكون في ثقيف كذّاب ومبير » وفسّروا المبير بالحجاج . أنظر : تاريخ الإسلام 5 : 226 ، 358 ترجمة المختار بن أبي عبيدة ، وأسماء بنت أبي بكر .
( 6 ) . رجال الكشّي : رقم ( 81 ) .
( 7 ) . أسد الغابة 3 : 228 - 229 ، سير أعلام النبلاء 3 : 232 .