من يستفتينا في الشيء لم نسمع فيه شيئا ، فترى أنّ رأينا له خير من رأيه لنفسه فنفتيه ؟ فقال ربيعة : أجلسوني ، فجلس ثم قال : ويحك يا عبد العزيز ، لأن تموت جاهلا خير لك من أن تقول في شيء بغير علم ، لا ، لا ، لا « 1 » .
وذكروا أنّه أول من أفتى بالرأي والقياس في المدينة « 2 » . إلّا أنّ مطالعة تاريخ الفقه والاجتهاد يبيّن لنا بوضوح أنّ عصر الصحابة كان نقطة عطف في كلا المسلكين : أهل الرأي ، وأهل الحديث ، وأنّ الصحابة كانوا قد أرسوا أسس كلا المسلكين « 3 » .
ومن جملة آرائه الفقهية أنّه يجمع الظهر والعصر بعد زوال الشمس « 4 » . وكان يتحدّث كثيرا ويقول : الساكت بين النائم والأخرس ، فوقف عليه أعرابي يوما وطوّل ، فقال :
يا أعرابي ، ما البلاغة عندكم ؟ قال : الإيجاز وإصابة المعنى ، قال : فما العي ؟ قال : ما أنت فيه ! فخجل ربيعة « 5 » .
ومع أنّه كان مؤسّس مذهب أصحاب الرأي في المدينة - كما ينسب إليه - إلّا أنّه كان لا يرتاح إلى أهل الكوفة « 6 » . فقد روى تلميذه مالك ، قال : قال لي ربيعة : يا مالك ، إنّي خارج إلى العراق ، ولست محدّثهم حديثا ، ولا مفتيهم عن مسألة ، قال مالك :
فوفى ، ما حدّثهم ولا أفتاهم « 7 » .
وقام الأمويون بتعذيبه لوشاية منافسه وخصمه أبي الزناد ، وإهانته وجلده ، وحلقوا نصف لحيته ، فحلق هو النصف الآخر منها « 8 » ، لكنّ العباسيّين احترموه ، فقد أكرمه
هامش
( 1 ) . مختصر تاريخ دمشق 8 : 285 .
( 2 ) . المصدر السابق : 290 .
( 3 ) . أنظر : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 : 28 ، فجر الإسلام : 240 .
( 4 ) . مختصر تاريخ دمشق 8 : 284 .
( 5 ) . تاريخ الإسلام 8 : 423 .
( 6 ) . مختصر تاريخ دمشق 8 : 290 .
( 7 ) . تاريخ الإسلام 8 : 421 ، تهذيب الكمال 9 : 129 .
( 8 ) . مختصر تاريخ دمشق 8 : 290 ، وانظر : تهذيب التهذيب 3 : 224 . وعبد اللّه بن ذكوان المعروف بأبي