كان يكون أضوء قليلا وأقل ظلمة من الليل فنزلنا بين جبال وأودية وربوات وزكوات وقد كان والدي وجد في الكتب التي قرئها أن مجرى نهر الحيوان في ذلك الموضع فأقمنا في تلك البقعة أياما حتى فنى الماء الذي كان معنا واسقينا جمالنا ، ولولا ان جمالنا كانت لبون لهلكنا وتلفنا عطشا .
وكان والدي يطوف في تلك البقعة في طلب النهر ويأمرنا بان نوقد نارا ليهتدى إذا أراد الرجوع الينا فمكثنا في تلك البقعة نحوا من خمسة أيام ، ووالدي يطلب النهر فلا يجده ، وبعد الا يأس عزم على الانصراف حذرا من التلف لفناء الزاد والماء والخدم الذين كانوا معنا ، وصجروا وخشعوا التلف على أنفسهم فالحوا على والدي بالخروج من الظلمات فقمت يوما من الرحل لحاجتي فتباعدت من الرحل قدر رمية سهم فعثرت بنهر ماء أبيض اللون عذبا لذيذ لا بالصغير من الأنهار ولا بالكبير يجرى جريا لينا فدنوت منه ، وغرفت منه بيدي غرفتين أو ثلاثا فوجدته عذبا باردا لذيذا .
فبادرت مسرعا إلى الرحل وبشرت الخدم باني قد وجدت الماء فحملوا ما كان معنا من القرب والأدوات لنملأها ولم اعلم أن والدي في طلب ذلك النهر ، وكان سروري بوجود الماء لما كنا عدمنا الماء وفنى ما كان معنا وكان والدي في ذلك الوقت مشغولا بالطلب وطفنا ساعة هوية على أن نجد النهر ولم نهتد اليه حتى أن الخدم كذبونى وقالوا إلى لم تصدق .
فلما انصرفنا إلى الرحل وانصرف والدي أخبرته بالقصة فقال يا بنى الذي أخرجني إلى ذلك المكان وتحمل الخطر كان لذلك النهر ولم ارزق انا ورزقته أنت وسوف يطول عمرك ( بعمرك - خ ل ) حتى تملّ من الحياة ورحلنا منصرفين وعدنا إلى اوطاننا وبلدنا وكان قد عاش والدي بعد ذلك سنيات ثم توفى رحمه اللّه .
فلما بلغ سنى قريبا من ثلاثين سنة وكان اتصل بنا وفات النبي صلّى اللّه عليه واله ، ووفاة الخليفتين بعده ، خرجت حاجا فلحقت آخر أيام عثمان فمال قلبي من بين جماعة أصحاب النبي صلّى اللّه عليه واله علي بن أبي طالب عليه السّلام ، فأقمت معه اخدمه وشهدت معه وقايع وفي وقعة صفين أصابتني هذه الشجة من دابته ، فما زلت مقيما معه إلى أن مضى عليه السّلام
بهجة الآمال في شرح زبدة المقال — صفحة 505
مساهمون: سيد هداية الله مسترحمى اصفهانى
ص٥٠٥