ثُمَّ قاما ، وأَصحابُهُما مِنَ النَّصارى مَعَهُما ، فَلَمّا أبعَدا وقَد كانوا أنزَلوا « 1 » بِالحَرَّةِ ، أقبَلَ بَعضُهُم عَلى بَعضٍ فَقالوا : قَد جاءَكُم هذا بِالفَصلِ مِن أمرِهِ وأَمرِكُم ، فَانظُروا أوَّلًا بِمَن يُباهِلُكُم ؛ أبِكافَّةِ أتباعِهِ ، أم بِأَهلِ الكِتابِ مِن أصحابِهِ ، أو بِذَوِي التَّخَشُّعِ وَالتَّمَسُّكِ « 2 » وَالصَّفوَةِ ديناً ، وهُمُ القَليلُ مِنهُم عَدداً ؟ فَإِن جاءَكُم بِالكَثرَةِ وذَوِي الشِّدَّةِ مِنهُم ، فَإِنَّما جاءَكُم مُباهِياً كَما يَصنَعُ المُلوكُ ، فَالفَلجُ « 3 » إذاً لَكُم دونَهُ ، وإن أتاكُم بنَفَرٍ قَليلٍ ذَوي تَخَشُّعٍ فَهؤُلاءِ سَجِيَّةُ « 4 » الأَنبِياءِ وصَفوَتُهُم ومَوضِعُ بَهلَتِهِم ، فَإِيّاكُم وَالإِقدامَ إذاً عَلى مُباهَلَتِهِم ، فَهذِهِ لَكُم أمارَةٌ ، وَانظُروا حينَئِذٍ ما تَصنَعونَ ما بَينَكُم وبَينَهُ ، فَقَد أعذَرَ مَن أنذَرَ .
فَأَمَرَ صلى الله عليه وآله بِشَجَرَتَينِ فَقُصِدَتا وكُسِحَ ما بَينَهُما ، وأَمهَلَ حَتّى إذا كانَ مِنَ الغَدِ أمَرَ بِكِساءٍ أسوَدَ رَقيقٍ فَنُشِرَ عَلَى الشَّجَرَتَينِ ، فَلَمّا أبصَرَ السَّيِّدُ وَالعاقِبُ ذلِكَ خَرَجا بِوَلَدَيهِما : صِبغَةِ المُحسِنِ ، وعَبدِ المُنعِمِ ، وسارَةَ ، ومَريَمَ ، وخَرَجَ مَعَهُما نَصارى نَجرانَ ، ورَكِبَ فُرسانُ بَنِي الحارِثِ بنِ الكَعبِ في أحسَنِ هَيئَةٍ .
وأَقبَلَ النّاسُ مِن أهلِ المَدينَةِ مِنَ المُهاجِرينَ وَالأَنصارِ وغَيرِهِم مِنَ النّاسِ في قَبائِلِهِم وشِعارِهِم مِن راياتِهِم وأَلوِيَتِهِم وأَحسَنِ شارَتِهِم وهَيئَتِهِم ، لِيَنظُروا ما يَكونُ مِنَ الأَمرِ .
ولَبِثَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله في حُجرَتِهِ حَتّى مَتَعَ « 5 » النَّهارُ ، ثُمَّ خَرَجَ آخِذاً بِيَدِ عَلِيٍّ عليه السلام ،
هامش
( 1 ) . في بحار الأنوار : « نزلوا » .
( 2 ) . في بحار الأنوار : « والتمسكن » بدل « والتمسّك » .
( 3 ) . فَلَجَ : ظَفَرَ بِما طَلَبَ ( المصباح المنير : ص 480 « فلج » ) .
( 4 ) . قال العلّامة المجلسي قدس سره : والأظهر « شجنة » بالشين المعجمة والنون ، كما في بعض النسخ . قال فيالنهاية : « الرحم شجنة من الرحمن » ؛ أي قرابة مشتبكة كاشتباك العروق ، شبّهه بذلك مجازاً واتّساعاً . وأصل الشجنة - بالكسر والضمّ - : شعبة من غصن من غصون الشجرة ( بحار الأنوار : ج 21 ص 335 ) .
( 5 ) . مَتَعَ النهارُ : ارتَفَعَ ( الصحاح : ج 3 ص 1282 « متع » ) .