ما فيها وما قَد كانَ عَلى ظَهرِها ، وما يَكونُ إلى يَومِ القِيامَةِ ، ولَم يَكبُر ذلِكَ عَلَيَّ كَما لم يَكبُر عَلى أبي آدَمَ ؛ عَلَّمَهُ الأَسماءَ كُلَّها ولَم تَعلَمهَا المَلائِكَةُ المُقَرَّبونَ ، وإنّي رَأَيتُ بُقعَةً عَلى شاطِئِ البَحرِ تُسَمَّى البَصرَةَ ، فَإِذا هِيَ أبعَدُ الأَرضِ مِنَ السَّماءِ وأَقرَبُها مِنَ الماءِ ، وأَنَّها لَأَسرَعُ الأَرضِ خَراباً ، وأَخشَنُها تُراباً ، وأَشَدُّها عَذاباً ، ولَقَد خُسِفَ بِها فِي القُرونِ الخالِيَةِ مِراراً ، ولَيَأتِيَنَّ عَلَيها زَمانٌ » .
وإنَّ لَكُم - يا أهلَ البَصرَةِ - وما حَولَكُم مِنَ القُرى مِنَ الماءِ لَيَوماً عَظيماً بَلاؤُهُ ، وإنّي لَأَعلَمُ مَوضِعَ مُنفَجَرِهِ مِن قَريَتِكُم هذِهِ ، ثُمَّ امورٌ قَبلَ ذلِكَ تَدهَمُكُم عَظيمَةٌ اخفِيَت عَنكُم وعَلِمناها ، فَمَن خَرَجَ عَنها عِندَ دُنُوِّ غَرَقِها فَبِرَحمَةٍ مِنَ اللَّهِ سَبَقَت لَهُ ، ومَن بَقِيَ فيها غَيرَ مُرابِطٍ بِها فَبِذَنبِهِ ، ومَا اللَّهُ بِظَّلامِ لِلعَبيدِ . « 1 »
10450 . عنه عليه السلام - في ذَمِّ أهلِ البَصرَةِ بَعدَ وَقعَةِ الجَمَلِ - : أرضُكُم قَريبَةٌ مِنَ الماءِ ، بَعيدَةٌ مِنَ السَّماءِ ، خَفَّت عُقولُكُم ، وسَفِهَت حُلومُكُم ، فَأَنتُم غَرَضٌ لِنابلٍ ، واكلَةٌ لِآكِلٍ ، وفَريسَةٌ لِصائِلِ « 2 » . « 3 »
هامش
( 1 ) . بحارالأنوار : ج 60 ص 225 ح 58 نقلًا عن شرح نهج البلاغة لابن ميثم .
( 2 ) . قال ابن أبي الحديد : فأمّا قوله : « أرضكم قريبة من الماء بعيدة من السماء » فقد قدّمنا معنى قوله « قريبة من الماء » وذكرنا غَرَقها من بحر فارس دَفعتين ، ومراده عليه السلام بقوله : « قريبة من الماء » ، أي قريبة من الغَرَق بالماء . وأما « بعيدة من السماء » ؛ فإنّ أربابَ علم الهيئة وصناعة التّنجيم يذكرون أنّ أبعدَ موضع في الأرض عن السماء الأبلّة ، وذلك موافق لقوله عليه السلام .
ومعنى البعد عن السماء هاهنا هو بعد تلك الأرض المخصوصة عن دائرة معدّل النهار والبقاع ، والبلاد تختلف في ذلك . وقد دلّت الأرصاد والآلات النُّجوميّة على أن أبعد موضع في المعمورة عن دائرة معدّل النهار هو الأُبلّة ، والأبلّة هي قصبة البصرة .
وهذا الموضع من خصائص أمير المؤمنين عليه السلام ، لأنّه أخبر عن أمر لا تعرفه العرب ، ولا تهتدي إليه ، وهو مخصوص بالمدقّقين من الحكماء . وهذا من أسراره وغرائبه البديعة . ( شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 1 ص 268 ) ويحتمل أن يكون المراد ببعدها من السماء البعد من سماء الرحمة والاستعداد لنزول العذاب . ( راجع : بحار الأنوار : ج 32 ص 247 ) .
( 3 ) . نهج البلاغة : الخطبة 14 ، الجمل : ص 407 عن الحارث بن سريع نحوه ، بحارالأنوار : ج 32 ص 246 ح 194 .