اللَّيلُ سُدولَهُ ، وهُوَ قائِمٌ في مِحرابِهِ ، قابِضٌ عَلى لِحيَتِهِ ، يَتَمَلمَلُ تَمَلمُلَ السَّليمِ « 1 » ، ويَبكي بُكاءَ الحَزينِ ، ويَقولُ :
يا دُنيا ، يا دُنيا ! إلَيكِ عَنّي ، أبي تَعَرَّضتِ ، أم إلَيَّ تَشَوَّقتِ ؟ ! لا حانَ حينُكِ ، هَيهاتَ ! غُرّي غَيري ، لا حاجَةَ لي فيكِ ، قَد طَلَّقتُكِ ثَلاثاً لا رَجعَةَ فيها ؛ فَعَيشُكِ قَصيرٌ ، وخَطَرُكِ يَسيرٌ ، وأَمَلُكِ حَقيرٌ . آهِ مِن قِلَّةِ الزّادِ ، وطولِ الطَّريقِ ، وبُعدِ السَّفَرِ ، وعَظيمِ المَورِدِ . « 2 »
10165 . فلاح السائل عن حبّة العرني : بَينا أنَا ونَوفٌ نائِمَينِ في رَحَبَةِ المَسجِدِ ، إذ نَحنُ بِأَميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام في بَقِيَّةٍ مِنَ اللَّيلِ ، واضِعاً يَدَهُ عَلَى الحائِطِ شِبهَ الوالِهِ « 3 » ، وهُوَ يَقولُ :
« إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » *
« 4 » إلى آخِرِ الآيَةِ ، ثُمَّ جَعَلَ يَقرَأُ هذِهِ الآياتِ ، ويَمُرُّ شِبهَ الطّائِرِ عَقلُهُ .
فَقالَ : أراقِدٌ أنتَ يا حَبَّةُ أم رامِقٌ « 5 » ؟ قالَ : قُلتُ : رامِقٌ ، هذا أنتَ تَعمَلُ هذَا العَمَلَ ، فَكَيفَ نَحنُ ؟ قالَ : فَأَرخى عَينَيهِ فَبَكى ، ثُمَّ قالَ لي :
يا حَبَّةُ ، إنَّ للَّهِ مَوقِفاً ، ولَنا بَينَ يَدَيهِ مَوقِفٌ لا يَخفى عَلَيهِ شَيءٌ مِن أعمالِنا .
يا حَبَّةُ ، إنَّ اللَّهَ أقرَبُ إلَيَّ وإلَيكَ مِن حَبلِ الوَريدِ . يا حَبَّةُ ، إنَّهُ لَن يَحجُبَني ولا إيّاكَ عَنِ اللَّهِ شَيءٌ .
هامش
( 1 ) . السَّليمُ : اللّديغُ ، يقال : سَلَمَته الحيّةُ ؛ أي لَدَغَته ( النهاية : ج 2 ص 396 « سلم » ) .
( 2 ) . نهج البلاغة : الحكمة 77 ، خصائص الأئمّة : ص 71 ، الأمالي للصدوق : ص 724 ح 990 ، كنز الفوائد : ج 2 ص 161 كلّها نحوه ، بحار الأنوار : ج 40 ص 345 ح 28 ؛ حلية الأولياء : ج 1 ص 85 نحوه .
( 3 ) . الوَلَهُ : ذهاب العقل ، والتحيّر من شدّة الوجد ( النهاية : ج 5 ص 227 « وله » ) .
( 4 ) . آل عمران : 190 .
( 5 ) . الرَّمقُ : بقيّة الروح وقد يطلق على القوّة ( مجمع البحرين : ج 2 ص 734 « رمق » ) .