فقيراً ، ففي كتاب المحو والإثبات يسجّل له دوام الفقر ، لكن بعد دعائه يغيّر اللَّه سبحانه هذا التقدير فيثبته غنياً في لوح المحو والإثبات ، في حين أنّ كلا التقديرين موجودان في لوح امّ الكتاب وبطريق أولى هما موجودان في علم اللَّه الذاتي الأزلي ، ولم يحدث أيّ تغيير في علم اللَّه الذاتي ، وسوف نذكر حكمة هذه التغييرات عند البحث عن حكمة البداء .
على هذا فإنّ من يرى أن البداء في العلم ملازم لجهل اللَّه سبحانه ، قد خلط بين العلم الذاتي والعلم الفعلي ، ولم يدرك معنى العلم الفعلي .
إنّ ما يراه البعض من أنّ الجهل ملازم للبداء فيما يتعلّق باللَّه ، له سبب آخر أيضاً وهو قياس اللَّه بالإنسان ، وهو الّذي يجب اجتنابه بشدة في المباحث العقائديّة ، فقد روي عن الإمام الرضا عليه السلام قوله :
إنَّهُ مَن يَصِفُ رَبَّهُ بِالقِياسِ لا يزالُ الدَّهرَ فِي الالتِباس . « 1 »
وعندما يحدث البداء للبشر في أمر ما ونصل إلى رأي جديد ، فإنّ هذا الرأي الجديد يحصل لنا في الغالب إثر ظهور علم واطّلاع جديدين ، ويرى معارضو البداء أنّ هذه الحالة نفسها تجري أيضاً فيما يتعلّق باللَّه ، قال الغفاري :
جاء في القاموس : « بدا بدواً وبدّواً : ظهر . وبدا له في الأمر بدواً وبداءً وبداة : نشأ له فيه رأي » . فالبداء في اللغة له معنيان : الأوّل : الظهور بعد الخفاء ، والثاني :
نشأة الرأي الجديد . وهذا يستلزم الجهل وحدوث العلم ، وكلاهما محال على اللَّه تعالى . « 2 »
وهذا التفسير للبداء إنما هو على أساس قياس الخالق بالمخلوق ، ولكنّ أتباع
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار : ج 3 ص 297 ح 23 .
( 2 ) . أصول مذهب الشيعة : ج 2 ص 938 ، بين الشيعة وأهل السنة : ص 75 - 186 .