فَلَقِيَ الأَبرَشُ أبا عَبدِ اللَّهِ عليه السلام فَقالَ : يا أبا عَبدِ اللَّهِ ، أخبِرني عَن قَولِ اللَّهِ :
أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما
فَبِما كانَ رَتقُهُما ، وبِما كانَ فَتقُهُما ؟
فَقالَ أبو عَبدِ اللَّهِ عليه السلام : يا أبرَشُ ، هُوَ كَما وَصَفَ نَفسَهُ :
وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
والماءُ عَلَى الهَواءِ ، وَالهَواءُ لا يُحَدُّ ، ولَم يَكُن يَومَئِذٍ خَلقٌ غَيرُهُما ، وَالماءُ يَومَئِذٍ عَذبٌ فُراتٌ ، فَلَمّا أرادَ أن يَخلُقَ الأَرضَ أمَرَ الرِّياحَ فَضَرَبَتِ الماءَ حَتّى صارَ مَوجاً ، ثُمَّ أزبَدَ فَصارَ زَبَداً واحِداً ، فَجَمَعَهُ في مَوضِعِ البَيتِ ثُمَّ جَعَلَهُ جَبَلًا مِن زَبَدٍ ، ثُمَّ دَحَا الأَرضَ مِن تَحتِهِ ، فَقالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً
. « 1 »
ثُمَّ مَكَثَ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى ما شاءَ ، فَلَمّا أرادَ أن يَخلُقَ السَّماءَ أمَرَ الرِّياحَ فَضَرَبَتِ البُحورَ حَتّى أزبَدَت بِها ، فَخَرجَ مِن ذلِكَ المَوجُ وَالزَّبَدُ مِن وَسَطِهِ دُخانٌ ساطِعٌ مِن غَيرِ نارٍ ، فَخَلَقَ مِنهُ السَّماءَ ، وَجَعلَ فيهَا البُروجَ وَالنُّجومَ ومَنازِلَ الشَّمسِ وَالقَمَرِ ، وأجراها فِي الفَلَكِ ، وكانَتِ السَّماءُ خَضراءَ عَلى لَونِ الماءِ الأَخضَرِ ، وكانَتِ الأَرضُ غَبراءَ عَلى لَونِ الماءِ العَذبِ ، وكانَتا مَرتوقَتَينِ لَيسَ لَهُما أبوابٌ ، ولَم يَكُن لِلأَرضِ أبوابٌ ؛ وهِيَ النَّبتُ ، ولَم تُمطِرِ السَّماءُ عَلَيها فَتُنبِتَ ، فَفَتَقَ السَّماءَ بِالمَطَرِ ، وفَتَقَ الأَرضَ بِالنَّباتِ ، وذلِكَ قَولُهُ :
أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما
.
فَقالَ الأَبرَشُ : وَاللَّهِ ما حَدَّثَني بِمِثلِ هذَا الحَديثِ أحَدٌ قَطُّ ! أعِد عَلَيَّ . فَأَعادَ عَلَيهِ . وكانَ الأَبرَشُ مُلحِداً ، فَقالَ : أنا أشهَدُ أنَّكَ ابنُ نَبِيٍّ - ثَلاثَ مَرّاتٍ - . « 2 »
هامش
( 1 ) . آل عمران : 96 .
( 2 ) . تفسير القمّي : ج 2 ص 69 ، بحار الأنوار : ج 57 ص 72 ح 47 .