ثارَ مِنَ الماءِ دُخانٌ عَلى قَدرِ ما شاءَ اللَّهُ أن يَثورَ ، فَخَلَقَ مِن ذلِكَ الدُّخانِ سَماءً صافِيَةً نَقِيَّةً لَيسَ فيها صَدعٌ ولا ثَقبٌ ، وذلِكَ قَولُهُ :
أَمِ السَّماءُ بَناها * رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها * وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها
« 1 » قالَ : ولا شَمسٌ ولا قَمَرٌ ولا نُجومٌ ولا سَحابٌ ، ثُمَّ طَواها فَوَضَعَها فَوقَ الأرضِ . ثُمَّ نَسَبَ الخَليقَتَينِ فَرَفَعَ السَّماءَ قَبلَ الأَرضِ ، فَذلِكَ قَولُهُ عَزَّ ذِكرُهُ :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
« 2 » يَقولُ : بَسَطَها .
فَقالَ لَهُ الشّامِيُّ : يا أبا جَعفَرٍ ! قَولُ اللَّهِ تَعالى :
أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما
؟
فَقالَ لَهُ أبو جَعفَرٍ عليه السلام : فَلَعَلَّكَ تَزعُمُ أنَّهُما كانَتا رَتقاً مُلتَزِقَتَينِ مُلتَصِقَتَينِ ، فَفُتِقَت إحداهُما مِنَ الأخرى ؟ فَقالَ : نَعَم .
فَقالَ أبو جَعفَرٍ عليه السلام : استَغفِر رَبَّكَ ! فَإِنَّ قَولَ اللَّهِ جَلَّ وعَزَّ :
كانَتا رَتْقاً
يَقولُ :
كانَتِ السَّماءُ رَتقاً لا تُنزِلُ المَطَرَ ، وكانَتِ الأَرضُ رَتقاً لا تُنبِتُ الحَبَّ ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى الخَلقَ وبَثَّ فيها مِن كُلِّ دابَّةٍ فَفَتَقَ السَّماءَ بِالمَطَرِ وَالأَرضَ بِنَباتِ الحَبِّ .
فَقالَ الشّامِيُّ : أشهَدُ أنَّكَ مِن وُلدِ الأَنبِياءِ ، وأنَّ عِلمَكَ عِلمُهُم . « 3 »
1544 . تفسير القمّي عن أبي بكر الحَضرميّ : خَرَجَ هِشامُ بنُ عَبدِ المَلِكِ حاجّاً ومَعَهُ الأَبرَشُ الكَلبِيُّ ، فَلَقِيا أبا عَبدِ اللَّهِ عليه السلام فِي المَسجِدِ الحَرامِ ، فَقالَ هِشامٌ لِلأَبرَشِ : تَعرِفُ هذا ؟
قالَ : لا ، قالَ : هذَا الَّذي تَزعَمُ الشّيعَةُ أنَّهُ نَبِيٌّ مِن كَثرَةِ عِلمِهِ ! فَقالَ الأَبرَشُ : لَأَسأَلَنَّهُ عَن مَسائِلَ لا يُجيبُني فيها إلّانَبِيٌّ أو وَصِيُّ نَبِيٍّ ! فَقالَ هِشامُ : وَدَدتُ أنَّكَ فَعَلتَ ذلِكَ .
هامش
( 1 ) . النازعات : 27 - 29 .
( 2 ) . النازعات : 30 .
( 3 ) . الكافي : ج 8 ص 94 ح 67 ، التوحيد : ص 67 ح 20 عن جابر الجعفي نحوه وفيه صدره إلى « جميع الأشياء منه وهو الماء » ، بحار الأنوار : ج 57 ص 96 ح 81 .