أهو علم ونور هذا الذي يسوق المجتمع شطر الفساد والضياع ، أم هو الجهل والظلمة ؟
هنا يستبين معنى الكلام النبويّ الدقيق ، إذ قال صلى الله عليه وآله :
« إنَّ مِنَ العِلمِ جَهلًا » « 1 » .
يثار هنا سؤال يقول : كيف يصير العلم جهلًا ألا يعني هذا تناقضاً في الكلام
بيد أنّنا إذا تأمّلنا فيه تبيّن لنا أنّه ليس تناقضاً في الكلام ، بل هو كلام دقيق ذو مغزى .
عندما يفقد العلم جوهره وخاصيّته ، فهو والجهل سواء . ولذا قال الإمام عليّ عليه السلام :
« لا تَجعَلوا عِلمَكُم جَهلًا » « 2 » .
أي لا تتصرّفوا تصرّفاً يُفقد العلم خاصّيّته ، ويسلب منه اسمه الصحيح .
لقد مُني العلم اليوم بهذا المصير المشؤوم بعد فقده جوهره واتّجاهه المستقيم السديد ، فأصبح كالجهل قاتلًا ، مُفسداً ، مدمِّراً ، بل أصبح أشدّ ضرراً من الجهل !
ما أروع كلام الإمام عليّ عليه السلام وما أدقّه ! إذ قال :
« رُبَّ عالِمٍ قَتَلَهُ جَهلُهُ ، وعِلمُهُ مَعَهُ لا يَنفَعُهُ » « 3 » .
إنّ المصير المؤسف للعالِم الذي يهلك من جهله عجيب حقّاً ، فعند ما حدّث سعد بن أبي وقّاص رسول اللَّه صلى الله عليه وآله مرّةً ، بما جرى له في سفره ، قال له مصوّراً جهل القوم المرسل إليهم : أتيتك من قومٍ هم وأنعامهم سواء ! فقال له صلى الله عليه وآله :
« يا سَعدُ ، ألا اخبِرُكَ
هامش
( 1 ) . راجع : ص 479 « العالم بلا عمل جاهل » .
( 2 ) . راجع : ص 480 ح 3243 .
( 3 ) . راجع : ص 480 ح 3245 .