مع هذا الفارق ، وهو أنّ العلم يمثّل الدرجة الأولى ، والعمل يمثّل الدرجة الثانية .
وقد أشارت الأحاديث الّتي فسّرت الحكمة بامتثال أوامر اللَّه سبحانه ومداراة الناس واجتناب المعاصي والمكر والحيلة إلى الحكمة العملية .
3 . الحكمة الحقيقيّة
الحكمة الحقيقيّة عبارة عن نورٍ وبصيرةٍ تحصل للإنسان عن طريق تطبيق الحكمة العمليّة في الحياة . والواقع هو أنّ الحكمة العلميّة مقدّمة للحكمة العمليّة ، والحكمة العمليّة تمثّل نقطة البدء في الحكمة الحقيقيّة ، وما لم يصل الإنسان إلى هذه المرتبة من الحكمة فلا يعدّ حكيماً حقيقة ، وإن كان أكبر أساتذة الحكمة .
إنّ الحكمة الحقيقيّة فيالواقع هي عبارة عن جوهر العلم ونوره وعلم النور ، ولذا تترتّب عليها خواصّ العلم الحقيقي وآثاره الّتي يأتي على رأسها خشية اللَّه ومخافته ، كما جاء بذلك الذكر الحكيم بقوله :
« إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ »
« 1 » .
وقد رُتّب هذا الأثر بعينه في كلام النبيّ الأعظم صلّى اللَّه عليه وآله وسلام على الحكمة الحقيقيّة حيث قال :
خَشيَةُ اللَّهِ عز وجل رَأسُ كُلِّ حِكمَةٍ . « 2 »
إنّ الحكمة الحقيقيّة هي قوّة عقلية تضادّ الميول النفسانيّة ، وكلّما اشتدّت هذه القوّة ضعفت في قبالها تلك الميول إلى أن تضمحلّ وتزول بشكلٍ تامّ ، فيحيى العقل بشكلٍ كامل ويمسك بزمام الإنسان ، وتتهيّأ الأرضية بعد ذلك لزوال واندثار كافّة القبائح من وجوده ، فتكون الحكمة بالمآل ملازمة للعصمة ومقرونة بها ، فتحصل بذلك صفة الحكيم والعالم الحقيقي للإنسان ، ثمّ يصل - وهو في أعلى مراتب العلم
هامش
( 1 ) . فاطر : 28 .
( 2 ) . الفردوس : ج 2 ص 193 ح 2964 عن أنس بن مالك ، كنز العمّال : ج 3 ص 141 ح 5872 .