الباقِرِ عليه السّلام فَقُلتُ : يَابنَ رَسولِ اللَّهِ ! إنِّي قَد قُلتُ فيكُم أبياتاً ، أفَتَأذَنُ لي في إنشادِها ؟
فَقالَ : إنَّها أيَّامُ البيضِ ! قُلتُ : فَهُوَ فيكُم خاصَّةً . قالَ : هاتِ ، فَأَنشَأتُ أقولُ :
أضحَكَنِي الدَّهرُ وأَبكاني * وَالدَّهرُ ذو صَرفٍ وَأَلوانِ
لِتِسعَةٍ بِالطَّفِّ قَد غودِروا * صاروا جَميعاً رَهنَ أكفانِ
فَبَكى عليه السّلام وبَكى أبو عَبدِ اللَّهِ عليه السّلام ، وسَمِعتُ جارِيَةً تَبكي مِن وَراءِ الخِباءِ ، فَلَمّا بَلَغتُ إلى قَولي :
وسِتَّةٍ لا يُتَجارى « 1 » بِهِم * بَنو عَقيلٍ خَيرُ فِتيانِ
ثُمَّ عَلِيُّ الخَيرِ مَولاكُمُ * ذِكرُهُمُ هَيَّجَ أحزاني
فَبَكى ثُمَّ قالَ عليه السّلام : ما مِن رَجُلٍ ذَكَرَنا أو ذُكِرنا عِندَهُ فَخَرَجَ مِن عَينَيهِ ماءٌ ولَو قَدرُ مِثلِ جَناحِ البَعوضَةِ ، إلّابَنَى اللَّهُ لَهُ بَيتاً فِي الجَنَّةِ ، وجَعَلَ ذلِكَ حِجاباً بَينَهُ وبَينَ النّارِ .
فَلَمّا بَلَغتُ إلى قَولي :
مَن كانَ مَسروراً بِما مَسَّكُم * أو شامِتاً يَوماً مِنَ الآنِ
فَقَد ذَلَلتُم بَعدَ عِزٍّ فَما * أدفَعُ ضَيماً حينَ يَغشاني
أخَذَ بِيَدي وقالَ : اللَّهُمَّ اغفِر لِلكُمَيتِ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ وما تَأَخَّرَ . « 2 »
هامش
- بأيّامها ، من شعراء مضر وألسنتها ، وكان في أيّام بني اميّة ، ولم يدرك الدولة العبّاسيّة ومات قبلها ، وكان معروفاً بالتشيّع لبني هاشم مشهوراً بذلك . وقال بعضهم : كان في الكميت عشر خصال لم تكن في شاعر : كان خطيب أسد ، فقيه الشيعة ، حافظ القرآن العظيم ، ثبت الجنان ، كاتباً حسن الخطّ ، نسّابة جدلًا ، وهو أوّل من ناظر في التشيّع ، رامياً لم يكن في أسد أرمى منه ، فارساً شجاعاً ، سخيّاً ديّناً . وهو شاعر أهل البيت عليهم السّلام ، وقد ورد عنهم عليهم السّلام في حقّه مدائح قيّمة ، ولادته سنة ( 60 ه ) ووفاته سنة ( 126 ه ) ( راجع : الغدير : ج 2 ص 195 وص 211 ) .
( 1 ) . كذا في المصدر ، وفي مقتل الحسين عليه السّلام : « يُتَمارى » ولعلّه الصواب .
( 2 ) . كفاية الأثر : ص 248 ، المناقب لابن شهرآشوب : ج 4 ص 116 ، بحار الأنوار : ج 45 ص 242 ؛ مقتل الحسين عليه السّلام للخوارزمي : ج 2 ص 152 وفيهما الأبيات الأربعة الأولى فقط .