يوم دفن الشهداء
ذكرت المصادر القديمة أنّ دفن الشهداء كان بعد يوم من شهادتهم .
فإن كان المراد هو اليوم الحادي عشر - كما ذكر ذلك المحدّث القمّي « 1 » - ، فمن المستبعد أن تكون هذه الرواية صحيحة ؛ لأنّ عمر بن سعد بقي في كربلاء تمام اليوم الحادي عشر أو - على الأقلّ - حتّى الظهر ؛ لأجل دفن القتلى من عسكره « 2 » ، كما أنّ أهل الغاضرية من بني أسد - والذين كانوا يقطنون - كما يُفترض - على بعدٍ من ساحة القتال - يبعد أيضاً أن يجرؤوا أو يتمكّنوا من المجيء خلال هذه الفترة القصيرة ، إلّاإذا قلنا : إنّ المراد من اليوم التالي للشهادة هو اليوم الثاني عشر .
وفيما يتعلّق بدفن سيّد الشهداء وأصحابه اشتهرت بعض الأمور وجرت على الألسنة ، إلّا إنها لم تُذكر في المصادر الحديثيّة والتاريخيّة القديمة والمعتبرة . نعم ، جاء في كتاب الدمعة الساكبة في رواية مفصّلة :
إنّ بني أسد عندما جاؤوا لدفن الإمام وأصحابه ، رأوا أعرابيّاً فأرشدهم لدفن الشهداء ، حتّى انتهى إلى جسد سيّد الشهداء ، فبكى بكاءً شديداً ، ولم يدعهم يدفنونه ، وقال : مَعي مَن يُعينُني . ثمّ أنّه بسط كفّيه تحت ظهره الشريف ، وقال :
« بِسمِ اللَّهِ وبِاللَّهِ وفي سَبيلِ اللَّهِ وعَلى مِلَّةِ رَسولِ اللَّهِ صلّى اللَّه عليه وآله ، هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ تَعالى ورَسولُهُ ، وصَدَقَ اللَّهُ ورَسولُهُ ، ما شاءَ اللَّهُ ، لا حَولَ ولا قُوَّةَ إلّابِاللَّهِ العَلِيِّ العَظيمِ » .
ثمّ أنزله وحده ولم يشرك معه أحداً منّا ، ثمّ وضع خدّه بنحره الشريف وهو يبكي ، ويقول : « طوبى لِأَرضٍ تَضَمَّنَت جَسَدَكَ الشَّريفَ ، أمَّا الدُّنيا فَبَعدَكَ مُظلِمَةٌ ، وَالآخِرَةُ فَبِنورِكَ مُشرِقَةٌ ، أمَّا الحُزنُ فسَرمَدٌ ، وَاللَّيلُ فَمُسَهَّدٌ ، حَتّى يَختارَ اللَّهُ لي دارَكَ الَّتي أنتَ مُقيمٌ بِها ، فَعَلَيكَ مِنّي السَّلامُ يَابنَ رَسولِ اللَّهِ ورَحمَةُ اللَّهِ وبَركاتُهُ » .
هامش
( 1 ) . منتهى الآمال : ص 481 .
( 2 ) . راجع : ص 135 ( الفصل السادس / إشخاص أهل البيت إلى الكوفة ) .