كان لها لسان عليّ حقّاً ! وحين نطقت بكلماتها الحماسيّة ، فإنّ أولئك الذين طالما سمعوا خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ، هاهم يرونه بامّ أعينهم يخطب فيهم !
وقال قائل : واللَّه ، لم أرَ خَفِرةً « 1 » قطّ أنطق منها ! كأنّها تنطق وتُفرغ عن لسان عليّ عليه السّلام .
وكان ابن زياد قد أثمله التكبّر ، ومَرَد على الضراوة والتوحّش ، فنال من آل اللَّه ، فانبرت إليه الحوراء وألقمته حجراً بكلماتها الخالدة التي أخزته ، وذلك حينما قال لها : كَيفَ رَأيتِ صُنعَ اللَّهِ بِأَخيكِ وأهلِ بَيتكِ ؟ فَقالَت :
ما رَأَيتُ إلّاجَميلًا ، هؤلاء قَومٌ كَتبَ اللَّهُ عَلَيهِمُ القَتلَ ، فَبَرَزوا إلى مَضاجِعِهِم ، وسَيَجمَعُ اللَّهُ بَينَكَ وبَينَهُم ، فَتُحاجُّ وتُخاصَمُ ، فَانظُر لِمَنِ الفَلَجُ يومَئذٍ ؟ ! هَبِلَتكَ امُّكَ يابنَ مَرجانَةَ . « 2 »
وعندما نظرت إلى يزيد متربّعاً على عرش السلطة ومعه الأكابر ومندوبو بعض البلدان - وكان يتباهى بتسلّطه ، ويتحدّث بسفاهة مهوِّلًا على الآخرين ، ناسباً قتل الأبرار إلى اللَّه - قامت إليه عقيلة بني هاشم ، فصكّت مسامعه بخطبتها البليغة العصماء . وممّا قالته فيها :
أمِنَ العَدلِ - يَابنِ الطُّلَقاءِ - تَخديرُكَ حَرائِرَكَ وإماءَكَ ، وسَوقُكَ بَناتِ رَسولِ اللَّهِ صلّى اللَّه عليه وآله سَبايا ! قَد هَتَكتَ سُتورَهُنَّ ، وأبدَيتَ وُجوهَهُنَّ ، يَحدو بِهِنَّ الأَعداءُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ؟ ! « 3 »
وبتلك الكلمات القصيرة الدامغة ذكّرته بماضي أهله حيث كانوا عبيد حرب ، ثمّ أطلقوا بعد أن أسلموا خائفين من القتل ، فدلّت على عدم جدارته للحكم من جهة ، وعلى جوره ونشره للظلم من جهة أخرى . واستَشهدت أخيراً بآيات قرآنيّة لتعلن بصراحة أنّ موقعه ليس كرامة إلهيّة - كما زعم أو حاول أن يلقّن الناس به - بل هو انغماس ملوّث بالكفر في
هامش
( 1 ) . الخَفِر : الكثير الحياء ( النهاية : ج 2 ص 53 ) .
( 2 ) . راجع : ص 162 ح 2295 .
( 3 ) . راجع : ص 252 ح 2395 .