كَأَنَّها تُفرِغُ عَن لِسانِ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السّلام .
قالَ : وقَد أومَأَت إلَى النّاسِ أنِ اسكُتوا ، فَارتَدَّتِ الأَنفاسُ ، وسَكَتَتِ الأَصواتُ ، فَقالَت : الحَمدُ للَّهِ وَالصَّلاةُ عَلى أبي رَسولِ اللَّهِ ، أمّا بَعدُ يا أهلَ الكوفَةِ ، ويا أهلَ الخَتلِ « 1 » وَالخَذلِ ، فَلا رَقَأَتِ « 2 » العَبرَةُ ، ولا هَدَأَتِ الرَّنَّةُ ، فَما مَثَلُكُم إلّا
« كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ »
« 3 » .
ألا وهَل فيكُم إلَّاالصَّلَفُ « 4 » النَّطَفُ « 5 » ، وَالصَّدَرُ الشَّنَفُ « 6 » ، خَوّارونَ فِي اللِّقاءِ ، عاجِزونَ عَنِ الأَعداءِ ، ناكِثونَ لِلبَيعَةِ ، مُضَيِّعونَ لِلذِّمَّةِ ، فَبِئسَ ما قَدَّمَت لَكُم أنفُسُكُم أن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيكُم ، وفِي العَذابِ أنتُم خالِدونَ .
أتبكونَ ! إيوَاللَّهِ فَابكوا كَثيراً وَاضحَكوا قَليلًا ، فَلَقَد فُزتُم بِعارِها وشَنارِها « 7 » ، ولَن تَغسِلوا دَنَسَها عَنكُم أبَداً . فَسَليلَ خاتَمِ الرِّسالَةِ ، وسَيِّدَ شَبابِ أهلِ الجَنَّةِ ، ومَلاذَ خِيَرَتِكُم ، ومَفزَعَ نازِلَتِكُم ، وأمارَةَ مَحَجَّتِكُم ، ومَدرَجَةَ حُجَّتِكُم خَذَلتُم ، ولَهُ قَتَلتُم !
ألا ساءَ ما تَزِرونَ ، فَتَعساً ونُكساً ، فَلَقَد خابَ السَّعيُ ، وتَرِبَتِ الأَيدي « 8 » ، وخَسِرَتِ الصَّفقَةُ ، وبُؤتُم بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ، وضُرِبَت عَلَيكُمُ الذِّلَّةُ وَالمَسكَنَةُ .
هامش
( 1 ) . خَتَلَهُ : خَدَعَهُ وَرَاوَغَهُ ( النهاية : ج 2 ص 9 « ختل » ) .
( 2 ) . رقأت الدمعة : جفّت وانقطعت ( لسان العرب : ج 1 ص 88 « رقأ » ) .
( 3 ) . النحل : 92 .
( 4 ) . الصلف : التمدّح بما ليس عندك ( تاج العروس : ج 12 ص 327 « صلف » ) .
( 5 ) . النَطَفُ : التَلَطُّخ بالعيب ، وقد نَطِفَ الرجل : إذا اتُّهم بريبة ( الصحاح : ج 4 ص 1434 « نطف » ) .
( 6 ) . الشَّنَفُ : البغض والتنكّر ( الصحاح : ج 4 ص 1383 « شنف » ) .
( 7 ) . الشَّنَارُ : العيب والعار ( الصحاح : ج 2 ص 704 « شنر » ) .
( 8 ) . تَرِبَ : خَسِرَ وافتقر . وتَرِبَت يَداه : لا أصابَ خيراً ( القاموس المحيط : ج 1 ص 39 « ترب » ) .