إلَيهِ أبَداً ، فَسَمِعَ ابنُ زِيادٍ ذلِكَ ، فَقالَ : أدنوهُ مِنّي ، فَأَدنَوهُ مِنهُ ، فَقالَ : وَاللَّهِ لَتَأتِيَنّي بِهِ أو لَأَضرِبَنَّ عُنُقَكَ . قالَ : إذاً تَكثُرَ البارِقَةُ « 1 » حَولَ دارِكَ . فَقالَ : والَهفاً عَلَيكَ ، أبِالبارِقَةِ تُخَوِّفُني ؟ وهُوَ يَظُنَّ أنَّ عَشيرَتَهُ سَيَمنَعونَهُ .
فَقالَ ابنُ زِيادٍ : أدنوهُ مِنّي ، فَادنِيَ ، فَاستَعرَضَ وَجهَهُ بِالقَضيبِ ، فَلَم يَزَل يَضرِبُ أنفَهُ وجَبينَهُ وخَدَّهُ ، حَتّى كَسَرَ أنفَهُ وسَيَّلَ الدِّماءَ عَلى ثِيابِهِ ، ونَثَرَ لَحمَ خَدَّيهِ وجَبينِهِ عَلى لِحيَتِهِ ، حَتّى كُسِرَ القَضيبُ ، وضَرَبَ هانِئٌ بِيَدِهِ إلى قائِمِ سَيفِ شُرطِيٍّ مِن تِلكَ الرِّجالِ ، وجابَذَهُ « 2 » الرَّجُلُ ومُنِعَ .
فَقالَ عُبَيدُ اللَّهِ : أحَرورِيٌّ سائِرَ اليَومِ ، أحلَلتَ بِنَفسِكَ ! قَد حَلَّ لَنا قَتلُكَ ، خُذوهُ فَأَلقوهُ في بَيتٍ مِن بُيوتِ الدّارِ ، وأغلِقوا عَلَيهِ بابَهُ ، وَاجعَلوا عَلَيهِ حَرَساً . فَفُعِلَ ذلِكَ بِهِ .
فَقامَ إلَيهِ أسماءُ بنُ خارِجَةَ ، فَقالَ : أرُسُلُ غَدرٍ سائِرَ اليَومِ ؟ أمَرتَنا أن نَجيئَكَ بِالرَّجُلِ ، حَتّى إذا جِئناكَ بِهِ ، وأدخَلناهُ عَلَيكِ ، هَشَمتَ وَجهَهُ ، وسَيَّلتَ دَمَهُ عَلى لِحيَتِهِ ، وزَعَمتَ أنَّكَ تَقتُلُهُ !
فَقالَ لَهُ عُبَيدُ اللَّهِ : وإنَّكَ لَهاهُنا ! فَأَمَرَ بِهِ فَلُهِزَ « 3 » وتُعتِعَ « 4 » بِهِ ، ثُمَّ تُرِكَ فَحُبِسَ . وأمّا مُحَمَّدُ بنُ الأَشعَثِ ، فَقالَ : قَد رَضينا بِما رَأَى الأَميرُ ، لَنا كانَ أم عَلَينا ، إنَّمَا الأَميرُ مُؤَدِّبٌ !
وبَلَغَ عَمرَو بنَ الحَجّاجِ أنَّ هانِئاً قَد قُتِلَ ، فَأَقبَلَ في مَذحِجٍ حَتّى أحاطَ بِالقَصرِ ،
هامش
( 1 ) . البارِقَةُ : السيوف ( لسان العرب : ج 10 ص 15 « برق » ) .
( 2 ) . جَبَذَهُ جَبْذاً : مثل جَذَبَه جَذْباً ( المصباح المنير : ص 89 « جبذ » ) .
( 3 ) . اللَّهزُ : الضرب بجمع اليد في الصدر ( الصحاح : ج 3 ص 895 « لهز » ) .
( 4 ) . التَّعْتَعَةُ : الحركة العنيفة ، وقد تعتعه : إذا عتله وأقلقه ( لسان العرب : ج 8 ص 35 « تعع » ) .