ولو لم يكن الأمر كذلك فسوف يكون من الصعب تبرير ذهابه إلى مكّة وإحرامه ، وانتهاء ذلك إلى صلح الحديبيّة ، وكذا معركة أحد ، والكثير من الأحداث الأخرى .
وبعبارة أوضح : إنّ أئمّة الدين كانوا يستندون إلى الأساليب المتعارفة في تحصيل العلم والوعي في الشؤون الاجتماعيّة والعلاقات بين الناس ، ولم يكونوا يوظّفون معلوماتهم الغيبيّة لذلك . نعم ، قد يعتمدون عليها أحياناً لإظهار معاجزهم أو كراماتهم ، ومع ذلك فلم يكن أسلوبهم الرائج به والمتعارف عليه .
كتب العلّامة المجلسي في جلاء العيون وكذا في الرسالة التي كتبها حول حكمة شهادة الإمام الحسين عليه السّلام :
الشبهة العالقة في أذهان العوامّ وهي لماذا توجّه [ الإمام الحسين عليه السّلام ] إلى كربلاء واصطحب معه أهل بيته ، رغم أنّه كان يعلم بشهادته ؟ يمكن تقديم عدّة أجوبة عليها ، فجوابها المجمل أنّنا يجب ألّا نقيس أحوال أئمّة الدين [ في موضوع علم الغيب والاطّلاع على القضاء والقدر ] بأحوالنا ، فتكليفهم هو تكليف آخر . وإذا ما كان تكليف المطّلعين على أسرار قضاء الحقّ تعالى وقدره كتكليفنا في هذا الباب ، وكان بمقدورهم رفع تلك القضاءات ، لكان من اللّازم ألّا يجري عليهم أيّ قضاء ، ولا يبتلوا بأيّ بلاء ، وأن تقع جميع الأمور حسب رغبتهم البدنيّة ، وهو ما يخالف مصلحة العليم القدير .
وعلى هذا ينبغي ألّايكونوا مكلّفين بالعلم الواقع ، وأن يشتركوا مع سائر الناس في التكاليف الظاهريّة ، كما أنّهم كانوا مكلّفين بالظاهر في باب طهارة الأشياء ونجاستها ، وإيمان العباد وكفرهم . ولو كانوا مكلّفين بالعلم الواقع ، لكان من الواجب ألّا يعاشروا أيّ أحد ، ويعتبروا كلّ الأشياء نجسة ، ويحكموا بكفر أكثر العالم . . . وإذا ما كان الأمر كذلك ، فإنّ الإمام الحسين عليه السّلام كان مكلّفاً بحسب الظاهر بأن يجاهد المنافقين والكفّار مع وجود الأعوان والأنصار . « 1 »
هامش
( 1 ) . جلاء العيون : ص 700 - / 701 ، مجموعة رسائل اعتقادي « بالفارسيّة » : ص 199 - / 200 .