فيمَن لا يَحفَظُهُ بَعدي ! قالَ ابنُ عَبّاسٍ : ثُمَّ اغمِيَ عَلَى النَّبِيِّ صلّى اللَّه عليه وآله ساعَةً ثُمَّ أفاقَ وقالَ :
يا حُسَينُ ! إنَّ لي ولِقاتِلِكَ يَومَ القِيامَةِ مَقاماً بَينَ يَدَي رَبّي وخُصومَةً ، وقَد طابَت نَفسي إذ جَعَلَنِيَ اللَّهُ خَصيماً لِمَن قَتَلَكَ يَومَ القِيامَةِ .
يا بُنَيَّ ! هذا حَديثُ ابنِ عَبّاسٍ ، وأنَا احَدِّثُكَ عَن رَسولِ اللَّهِ صلّى اللَّه عليه وآله أنَّهُ قالَ : أتاني جِبريلُ يَوماً فَخَبَّرَني وقالَ : يا مُحَمَّدُ ! إنَّ امَّتَكَ سَتَقتُلُ ابنَكَ حُسَيناً وقاتِلَهُ لَعينُ هذِهِ الامَّةِ .
ولَقَد لَعَنَ النَّبِيُّ صلّى اللَّه عليه وآله - يا بُنَيَّ - قاتِلَ الحُسَينِ مِراراً ، فَانظُر لِنَفسِكَ ثُمَّ انظُر ألّا يُتَعَرَّضَ لَهُ بِأَذِيَّةٍ ، فَحَقُّهُ وَاللَّهِ يا بُنَيَّ عَظيمٌ ، ولَقَد رَأَيتَني كَيفَ كُنتُ أحتَمِلُهُ في حَياتي ، وأضَعُ لَهُ رَقَبَتي وهُوَ يُواجِهُني بِالكَلامِ الَّذي يُمِضُّني « 1 » ويُؤلِم قَلبي ، فَلا اجيبُهُ ولا أقدِرُ لَهُ عَلى حيلَةٍ ؛ فَإِنَّهُ بَقِيَّةُ أهلِ الأَرضِ في يَومِهِ هذا ، وقَد أعذَرَ مَن أنذَرَ .
قالَ : ثُمَّ أقبَلَ عَلَى الضَّحّاكِ ومُسلِمِ بن عُقبَةَ فَقالَ لَهُما مُعاوِيَةُ : اشهَدا عَلى مَقالَتي هذِهِ ، فَوَاللَّهِ إن فَعَلَ بِيَ الحُسَينُ كُلَّ ما يَسوؤُني لَاحتَمَلتُهُ أبَداً ولَم يَكُنِ اللَّهُ يَسأَلُني عَن دَمَهِ ، أفَهِمتَ عَنّي ما أوصَيتُكَ بِهِ يا يَزيدُ ؟ فَقالَ : فَهِمتُ يا أميرَ المُؤمِنينَ .
ثُمَّ قالَ مُعاوِيَةُ : انظُر في أهلِ الحِجازِ ؛ فَهُم أصلُكَ وفَرعُكَ ، فَأَكرِم مَن قَدِمَ عَلَيكَ مِنهُم ومَن غابَ عَنكَ ، فَلا تَجفُهُم ولا تَعِقُّهُم ، وَانظُر أهلَ العِراقِ فَإِنَّهُم لا يُحِبّونَكَ أبَداً ولا يَنصَحونَكَ ، ولكِن دارِهِم مَهما أمكَنَكَ وَاستَطَعتَ ، وإن سَأَلوكَ عَلى كُلِّ يَومٍ
هامش
( 1 ) . مَضّني الجُرح وأمضّني : آلمني وأوجعني . ويقال : أمَضّني هذا الأمر : أي بلغت منه المشقّة ( لسانالعرب : ج 7 ص 233 « مضض » ) .