فقد أبى ابن الزبير فأخرجت جائزة بني أسد ، وأبى عبداللَّه بن عمر فأخرجت جائزة بني عديّ ، فما لنا إن أبى صاحبنا وقد أبى صاحب غيرنا ؟
فقال معاوية : لستم كغيركم ، لا واللَّه لا أعطيكم درهماً حتّى يبايع صاحبكم .
فقال ابن عبّاس :
أما واللَّه لئن لم تفعل لُالحقنّ بساحل من سواحل الشام ، ثمّ لأقولنّ ما تعلم ، واللَّه لأتركنّهم عليك خوارج .
فقال معاوية : لا بل أعطيكم جوائزكم ، فبعث بها من الروحاء ، ومضى راجعاً إلى الشام . « 1 »
قال الأميني : إنّ المستشفّ لحقيقة الحال من أمر هذه البيعة الغاشمة جدّ عليم أنّها تمّت برواعد الإرهاب ، وبوارق التطميع ، وعوامل البهت والافتراء ، فيرى معاوية يتوعّد هذا ، ويقتل ذاك ، ويولّي آخر على المدن والأمصار ويجعلها طعمة له ، ويدرّ من رضائخه « 2 » على النفوس الواطئة ذوات الملكات الرذيلة . وفي القوم مَن لا يؤثّر فيه شيء من ذلك كلّه ، غير أنّه لا رأي لمن لا يطاع ، لكنّ إمام الهدى ، وسبط النبوّة ، ورمز الشهادة والإباء لم يفتأ بعد ذلك كلّه مصحراً بالحقيقة ، ومصارحاً بالحقّ ، وداحضاً للباطل مع كلّ تلكم الحنادس « 3 » المدلهمّة ، أصغت إليه اذنٌ أم لا ، وصغى إلى قيله أحد أو أعرض .
فقام بواجب الموقف رافعاً عقيرته بما تستدعيه الحالة ، ويوجبه النظر في صالح المسلمين ، ولم يثنه اختلاق معاوية عليه وعلى مَن وافقه في شيءٍ من الأمر ، ولا ما أعدّه لهم من التوعيد والإرجاف بهم .
ولم تك تأخذه في اللَّه لومة لائم ، حتّى لفظ معاوية نفسه الأخير رمزاً للخزاية
هامش
( 1 ) . الإمامة والسياسة : ج 1 ص 212 .
( 2 ) . الرضخ : العطية القليلة ( النهاية : ج 2 ص 228 « رضخ » ) .
( 3 ) . الحندس : الليل الشديد الظلمة ( الصحاح : ج 3 ص 916 « حدس » ) .