قالَ : فَبَلَغَ ذلِكَ مُعاوِيَةَ ، فَأَرسَلَ إلَيهِ بِعَشَرَةِ آلافِ دِرهَمٍ لِيَكُفَّ لِسانَهُ ، فَأَنشَأَ عُقَيبَةُ يَقولُ :
إذَا المِنبَرُ الغَربِيُّ حَلَّ مَكانَهُ * فَإِنَّ أميرَ المُؤمِنينَ يَزيدُ
عَلَى الطّائِرِ المَيمونِ وَالحَدُّ صاعِدٌ « 1 » * لِكُلِّ اناسٍ طائِرٌ وجُدودُ
فَلا زِلتَ أعلَى النّاسِ كَعباً ولَم تَزَل * وُفودٌ يُساميها إلَيكَ وُفودُ
ألا لَيتَ شِعري ما يَقولُ ابنُ عامِرٍ * لِمَروانَ أم ماذا يَقولُ سَعيدُ ؟
بَني خُلَفاءِ اللَّهِ مَهلًا فَإِنَّما * يَنوءُ بِهَا الرَّحمنُ حَيثُ يُريدُ
قالَ : فَأَرسَلَ إلَيهِ مُعاوِيَةُ بِبَدرَةٍ « 2 » أخرى . وبَلَغَ ذلِكَ عَبدَ اللَّهِ بنَ هَمّامٍ السَّلولِيَّ شاعِرَ أهلِ الكوفَةِ ، وكانَ أيضاً مِمَّن يُبغِضُ يَزيدَ ، فَأَنشَأَ يَقولُ :
فَإِن باتوا بِرَملَةَ أو بِهِندٍ * يُبايِعُهُ أميرَةَ مُؤمِنينا
وكُلُّ بَنيكَ تَرضاهُمُ وإن * شِئتُم بِعَمِّهِمُ المُنتَمينا
إذا ما ماتَ كِسرى قامَ كِسرى * يَعُدُّ ثَلاثَةً مُتَناسِقينا
يُوَرِّثُها أكابِرُهُم بَنيهِم * كَما وَرِثَ القَمامِسَةُ « 3 » القَطينا « 4 »
فَيا لَهفي لَو أنَّ لَنا انوفاً * ولكِن لا نَعودُ كَما عَنينا
إذاً لَضُرِبتُمُ حَتّى تَعودوا * بِمَكَّةَ تَلطَعونَ بِهَا السَّخينا « 5 »
حَثَينَا الخَيطَ حَتّى لَو سُقينا * دِماءَ بَني امَيَّةَ ما رَوِينا
هامش
( 1 ) . فلانٌ صاعِدُ الجَدِّ : معناه البخت والحَظُّ في الدنيا ( تاج العروس : ج 4 ص 377 « جدد » ) .
( 2 ) . البَدرة : عشرة آلاف درهم ( الصحاح : ج 2 ص 587 « بدر » ) .
( 3 ) . القَومَسُ : الأمير ( القاموس المحيط : ج 2 ص 242 « قمس » ) .
( 4 ) . القطين : الإماء والحشم والخدم والأتباع ( القاموس المحيط : ج 4 ص 260 « قطن » ) .
( 5 ) . سخينة : طعام حارّ يتّخذ من دقيق وسمن ، وقيل : دقيق وتمر ، أغلظ من الحساء وأرقّ من العصيدة ، وكانت قريش تكثر أكلها ( النهاية : ج 2 ص 351 « سخن » ) .