وَالشَّرَهُ جامِعٌ لِمَساوِي العُيوبِ . وكَفاكَ تَأديباً لِنَفسِكَ ما كَرِهتَهُ مِن غَيرِكَ ، لِأَخيكَ عَلَيكَ مِثلُ الَّذي لَكَ عَلَيهِ ، ومَن تَوَرَّطَ فِي الامورِ بِغَيرِ نَظَرٍ فِي العَواقِبِ فَقَد تَعَرَّضَ لِلنَّوائِبِ ، التَّدبيرُ قَبلَ العَمَلِ يُؤمِنُكَ النَّدَمَ ، مَنِ استَقبَلَ وُجوهَ الآراءِ عَرَفَ مَواقِعَ الخَطأِ ، الصَّبرُ جُنَّةٌ « 1 » مِنَ الفاقَةِ ، البُخلُ جِلبابُ المَسكَنَةِ ، الحِرصُ عَلامَةُ الفَقرِ ، وَصولٌ « 2 » مُعدِمٌ « 3 » خَيرٌ مِن جافٍ مُكثِرٍ ، لِكُلِّ شَيءٍ قوتٌ ، وَابنُ آدَمَ قوتُ المَوتِ .
أي بُنَيَّ ، لا تُؤيِس مُذنِباً ، فَكَم مِن عاكِفٍ عَلى ذَنبِهِ خُتِمَ لَهُ بِخَيرٍ ، وكَم مِن مُقبِلٍ عَلى عَمَلِهِ مُفسِدٌ في آخِرِ عُمُرِهِ صائِرٌ إلَى النّارِ ، نَعوذُ بِاللَّهِ مِنها .
أي بُنَيَّ ، كَم مِن عاصٍ نَجا ، وكَم مِن عامِلٍ هَوى ، مَن تَحَرَّى الصِّدقَ خَفَّت عَلَيهِ المُؤَنُ . في خِلافِ النَّفسِ رُشدُها ، السّاعاتُ تَنتَقِصُ الأَعمارَ ، وَيلٌ لِلباغينَ مِن أحكَمِ الحاكِمينَ وعالِمِ ضَميرِ المُضمِرينَ .
يا بُنَيَّ ، بِئسَ الزّادُ إلَى المَعادِ العُدوانُ عَلَى العِبادِ ، في كُلِّ جُرعَةٍ شَرَقٌ « 4 » ، وفي كُلِّ اكلَةٍ غَصَصٌ . لَن تُنالَ نِعمَةٌ إلّابِفِراقِ أخرى ، ما أقرَبَ الرّاحَةَ مِنَ النَّصَبِ ، وَالبُؤسَ مِنَ النَّعيمِ ، وَالمَوتَ مِنَ الحَياةِ ، وَالسَّقَمَ مِنَ الصِّحَّةِ . فَطوبى لِمَن أخلَصَ للَّهِ عَمَلَهُ ، وعِلمَهُ وحُبَّهُ وبُغضَهُ ، وأخذَهُ وتَركَهُ ، وكَلامَهُ وصَمتَهُ ، وفِعلَهُ وقَولَهُ . وبَخٍ بَخٍ « 5 » لِعالِمٍ عَمِلَ فَجَدَّ ، وخافَ البَياتَ « 6 » فَأَعَدَّ وَاستَعَدَّ ، إن سُئِلَ نَصَحَ ، وإن تُرِكَ صَمَتَ ، كَلامُهُ
هامش
( 1 ) . الجُنّة : السترة ( الصحاح : ج 5 ص 2094 « جنن » ) .
( 2 ) . الوَصول : أي يصل برّه فلا يقطعه ( الفروق اللغوية : 96 ) .
( 3 ) . أعدم الرجل : افتقر فهو معدم وعديم ( الصحاح : ج 5 ص 1983 « عدم » ) . والمقصود أنّ من يصل إلى الناس بحسن الخلق والمودّة مع فقره خير ممّن يكثر في العطاء وهو جافٍ سيّ الخلق .
( 4 ) . الشَّرَق : الشجا والغصّة . وقد شرق بريقه أي غصّ به ( الصحاح : ج 4 ص 1500 « شرق » ) .
( 5 ) . بخ : كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء ( الصحاح : ج 1 ص 418 « بخخ » ) .
( 6 ) . بيَّتَ العدوَّ : أوقع بهم ليلًا ، والاسم البيات ( الصحاح : ج 1 ص 245 « بيت » ) .