الظاهرة خيراً كانت أم شرّاً فسوف لا تتحقّق ، وحتّى الأعمال الّتي يقوم بها الإنسان بإرادته واختياره ، فإنّها ليست بمستثناة من هذا القانون العام ، رغم أنّ اللَّه - تعالى - نهى من الناحية التشريعيّة عن الأعمال القبيحة ، وتشير الآية الكريمة :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
. « 1 »
إلى هذا المعنى ، ويسمّى الاعتقاد بهذه الحقيقة التوحيد الأفعالي .
على هذا الأساس فقد عُدّ الثنويّون الذين يفرّقون بين خالق الشرور وخالق الخيرات مشركين ، واعتُبر القدرّيون الذين يرون أنّ الشرور خارج نطاق التقدير الإلهي كافرين .
2 . خلق الشرّ وتقديره تبعي
تشير أحاديث الباب الثاني من الفصل السابع من هذا القسم والدالّة على تقديم خلق الخير على خلق الشرّ ، إلى أنّ الشرّ على الرغم من أنّه ليس له خالق مستقل عن خالق الخير ، والّذي هو الذات الأحديّة المقدّسة ، إلّا أنّ خلق الشرّ وتقديره لا أصالة لهما ، بل إنّهما تبع للخير ، لذلك فقد خلق الشرّ بعد الخير وعلى إثره .
على سبيل المثال أنّ خلق الإنسان خير ولكنّه يجب أن يتمتّع بالإرادة والحرّية ، كي يصل إلى الغاية الّتي خلق من أجلها وهي الخلافة الإلهيّة ، والكائن المتمتّع بالإرادة بإمكانه أن يسيء استغلال حرّيته ، ويستبب في الشرّ ويجرّ المجتمع إلى الفساد . « 2 » والهدف من الخلق لم يكن خلق الشرّ والفساد ، بل وجدت هذه الظاهرة بعد خلق كائن حرّ يدعى الإنسان وتبعاً له .
3 . دور الإنسان في ظهور الشرور
الملاحظة الثالثة الّتي تستحقّ الاهتمام فيما يتعلّق ببيان الارتباط بين القضاء والقدر ، وبين المصائب والشرور ، هي دور الإنسان في هذا المجال .
إنّ التقدير الإلهي فيما يتعلّق بالشرور الّتي تظهر على يد الإنسان نفسه ، هو خذلانه ، وهو إيكاله إلى نفسه ، فقد يستحقّ الإنسان التوفيق أحياناً وقد يستحقّ الخذلان أحياناً أخرى ، وعندما يستحقّ الخذلان فإنّ اللَّه يكله إلى نفسه ، فيقوم بإيجاد الشرّ بإرادته واختياره دون إجبار على ذلك ، على هذا الأساس فإنّ ما يصدر من الإنسان من خير إنّما هو التوفيق الإلهيّ وهو منسوب إلى اللَّه ، وما يصدر منه من شرّ فهو منسوب إليه ، ذلك لأنّه قام به بإرادته وخلافاً لإرادة اللَّه التشريعيّة .
الفصلالثّانى : دور القضاء والقدر في العالم
2 / 1 . التَّقديرُ في خَلقِ العالَمِ
الكتاب
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
. « 3 »
هامش
( 1 ) . النساء : 78
( 2 ) . وهذه الآية من سورة البقرة« أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ »تشير إلى هذا المعنى
( 3 ) . القمر : 49 .