السؤال الثالث : هَبْ أنّ لهم معرفةً بعلم الطبّ ، فهل يقوم الدين على أساس مزاولة الشؤون الطبّية ، ومعالجة أنواع الأمراض الجسديّة ؟
1 . مصدر علم الطبّ
يرى بعض العلماء أنّ لعلم الطبّ مصدراً إلهيّاً ، وأنّه يستندُ على الوحي ، قال المفكّر والمحقّق الكبير الشيخ المفيد قدس سره في هذا المجال :
الطبّ صحيح ، والعلم به ثابت ، وطريقه الوحي ، وإنّما أخذ العلماء به عن الأنبياء ؛ وذلك أنّه لا طريق إلى علم حقيقة الداء إلّا بالسمع ، ولا سبيل إلى معرفة الدواء إلّا بالتوقيف « 1 » ، فثبت أنّ طريق ذلك هو السمع عن العالم بالخفيّات تعالى . « 2 »
يبدو أنّ حاجة الإنسان الأوّل كانت تستدعي قيام الوحي لرفده ببعض العلوم التجريبيّة الضروريّة لحياته ، ويدعم هذا الرأي ما نقله السيّد رضي الدين علي بن طاووس قدس سره عن بعض الكتب :
إنَّ اللَّهَ - تَبارَكَ وتَعالى - أهبَطَ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ ، وعَرَّفَهُ عِلمَ كُلِّ شَيءٍ ، فَكانَ مِمّا عَرَّفَهُ النُّجومُ وَالطِّبُّ . « 3 »
من هنا ، يمكننا أن نقول : إنّ بداية علم الطبّ كانت عن طريق الوحي ، ثُمّ زادته تجربة العلماء فاتّسع تدريجيّاً ، ويتّسع على تواتر الأيّام ، لكنّ من زعم أنّ الوحي هو الطريق الوحيد لهذا العلم ، فإنّ كلامه لا يقوم على برهان عقليّ أو شرعيّ ، كما أثبتت التجربة بطلانه ، وما نُقل عن المرحوم الشيخ المفيد قوله إنّ طريقه : « السمع عن العالم بالخفيّات » يصحّ إذا قُصد أنّه أحد طرقه ، لا أنّه الطريق الوحيد ، وإلّا فلا .
2 . أهل البيت وعلم الطبّ
تدلّ دراسة دقيقة للأحاديث المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام بشأن الخصائص العلميّة ، ومبادئ العلوم ، وأنواعها ، على أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام لم يتّصفوا بعلم الطبّ فحسب ، بل بالعلوم جميعاً ، وليس ذلك عن طريق الاكتساب ، بل عن طريق خارق للعادة ، حتّى أنّهم أنّى شاؤوا أن يعلموا شيئاً علموه ، كما قال الإمام الصادق عليه السلام :
إنَّ الإِمامَ إذا شاءَ أن يَعلَمَ عَلِمَ . « 4 »
وبسبب هذا العلم الجمّ كان أمير المؤمنين عليّ عليه السلام يكرّر خطابه للناس قائلًا :
سَلوني قَبلَ أن تَفقُدوني ، فَإِنَّ بَينَ جَنبَيَّ عُلوماً كَثيرَةً كَالبِحارِ الزَّواخِرِ . « 5 »
وكان أئمّة أهل البيت عليهم السلام قاطبةً زاخرين بهذا العلم ، ولم يتلكّؤوا في جواب أيّ مسألة علميّة قطّ .
من هنا ، لا ريب في أنّ أهل البيت عليهم السلام كانوا ملمّين بعلم الطبّ ، وإذا ثبت أنّهم قالوا شيئاً يتعلّق بمسألة من مسائله ، فإنّ كلامهم مطابق للواقع حتماً .
هامش
( 1 ) . في بحار الأنوار : « بالتوفيق »
( 2 ) . تصحيح الاعتقاد ، ص 144 ، بحارالأنوار ، ج 62 ، ص 75
( 3 ) . فرج المهموم : ص 22
( 4 ) . الكافي : ج 1 ص 258 ح 1 .
( 5 ) . ينابيع المودة : ج 3 ص 208