تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتخب حكم النبى الاعظم « صلى الله عليه وآله » — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
أساسها الاختلافات الطبقية الفاحشة ، ومن ثمّ سيحظى الناس بمستوى معقول من الحياة المرفّهة الكريمة . هذه المعطيات يشير إليها عدد من الأحاديث الواردة في هذا المعنى . 3 . على ضوء ما مرّ في النقطتين الآنفتين يمكن تفسير الأحاديث التي جاءت بشأن " الكنز " على النحو التالي : أ - الأحاديث التي تطلق وصف " الكنز " على مطلق المال المدّخر ناظرة - في الحقيقة - إلى الحقوق المالية الواجبة ؛ ذلك أنّ التخلّف عن أداء هذه الحقوق - حتّى على مستوى القيراط الواحد - يعدّ كنزاً ، ومن ثمّ إذا لم يؤدّ الإنسان ذلك الحق فسيكون مشمولًا بآية " الكنز " . ب - إنّ الأحاديث التي تفسّر " الكنز " بأنّه المال الذي لم تؤدّ زكاته ناظرة إلى دفع الحقوق المالية الواجبة ، بحيث إذا ما ادّيت هذه الحقوق فستحلّ مشكلات المجتمع الاقتصادية . على هذا يجوز ادّخار الثروة بالنسبة لمن أدّى ما عليه من الحقوق المالية الواجبة ، وذلك إلى الحدود التي لا تلحق الضرر في البنيان الاجتماعي ، وبالصيغة التي لا تقود إلى تعميق الفوارق الطبقية الفاحشة . وهذا غير المعنى الذي ذهب إليه كعب الأحبار عندما سأله عثمان : « ما تقول في رجلٍ أدّى زكاةَ ماله المفروضة ، هل يجب عليه في ما بعد ذلك شيء ؟ » فقال كعب الأحبار : « لا ، ولو اتّخذ لبنة من ذهب ولبنة من فضّة ما وجب عليه شيء » ! لا ريب أنّ الإسلام لا يجوّز مثل هذا التراكم الهائل في الثروة ، ولا يسمح بمثل هذا الادّخار الفاحش للمال ، خاصّة عندما يكون من بيت مال المسلمين . ما كان يرمي إليه عثمان في الحقيقة هو تسويغ حياته الباذخة من خلال الاستناد إلى فتوى كعب الأحبار ، كما كان يريد أن يُغطّي على تصرّفاته في إنفاق الأموال على قرابته من بيت المال وهباته لذوي رحمه من دون حساب أو كتاب ، ومن ثمّ كان يريد أن يسلم بنفسه من لوم أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ونقدهم له خاصّة أبي ذرّ ، ممّا يحتاج بيانه تفصيلًا إلى فرصة مستأنفة . ج - بالنسبة للأحاديث التي تحدّثت عن مقادير مختلفة " للكنز " فهي ناظرة إلى أوضاع اقتصادية واجتماعية مختلفة ؛ حيث تتفاوت الاحتياجات المالية للإنسان تبعاً لتلك الأوضاع واستناداً إلى حجم التضخّم ، ثمّ يدخل ما زاد عن ذلك في الثروة المكتنزة التي يجب أن تُؤدّى زكاتها ويدفع ما يترتّب عليها من حقوق مالية . د - هناك الروايات التي تمنع الإنسان المسلم من ادّخار المال فوق حدٍّ معيّن سواء أدّى زكاته أم لم يؤدِّها ، وكذلك تلك الأحاديث التي ترسم حدّاً معلوماً للثروة يجدر بالإنسان المسلم أن يلتزم به ولا يتخطّاه ، هذان الضربان من الحديث يمكن أن يكون فيهما إشارة إلى حقيقتين اقتصاديّتين مهمّتين في الإسلام :
منتخب حكم النبى الاعظم « صلى الله عليه وآله » — صفحة 504 | محمد الريشهري