يَطوفُ بِالبَيتِ ، إذِ انقَطَعَ شِسعُهُ « 1 » ، فَحَلَّ رَجُلٌ شِسعاً مِن نَعلِهِ ثُمَّ ناوَلَهُ إيّاهُ ، فَأَبى أن يَأخُذَهُ ، وقالَ : هذِهِ أَثَرَةٌ ولا أقبَلُ أثَرَةً . « 2 »
4 / 2 . التَّنبّؤ بظهور الاستئثار بين المسلمين
1929 . رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : إنَّكُم سَتَلقَونَ بَعدي أثَرَةً . « 3 »
1930 . عنه صلى الله عليه وآله : كَأَنَّكُم بِراكِبٍ قَد أتاكُم فَنَزَلَ بِكُم ، فَيَقولُ : الأَرضُ أرضُنا وَالمِصرُمِصرُنا ، وإنَّما أنتُم عَبيدُنا واجَراؤُنا ، فَحالَ بَينَ الأَرامِلِ وَاليَتامى وما أفاءَ اللَّهُ عَلى آبائِهِم . « 4 »
1931 . عنه صلى الله عليه وآله : إذا بَلَغَ بَنو أبِي العاصِ ثَلاثينَ رَجُلًا اتَّخَذوا دينَ اللَّهِ دَغَلًا « 5 » ، وعِبادَ اللَّهِ خَوَلًا « 6 » ، ومالَ اللَّهِ دُوَلًا « 7 » . « 8 »
كلام حول الاستئثار
الاستئثار مصدر من الجذر « أثَرَ » في مقابل الإيثار ، وهو : بمعنى تقديم الإنسان نفسه أو ذويه وقرابته وأتباعه وأنصاره على الآخرين ، في تأمين الاحتياجات والمتطلّبات .
خطر الاستئثار
يعدّ الاستئثار من أخطر الخصال التي تفتك بالقيم وتدمّرها ، فتبعاته المخرّبة لا تقتصر على انحطاط الأخلاق فحسب ، بل تجرّ إلى الفساد الاجتماعي والسياسي ، وبالتالي سقوط الدول وانهيار الحكومات . نقرأ في الحِكَم المنسوبة للإمام عليّ عليه السلام :
الاستِئثارُ يوجِبُ الحَسَدَ ، وَالحَسَدُ يوجِبُ البِغضَةَ ، والبِغضَةُ توجِبُ الاختِلافَ ، وَالاختِلافُ يوجِبُ الفُرقَةَ ، وَالفُرقَةُ توجِبُ الضَّعفَ ، وَالضَّعفُ يوجِبُ الذُّلَّ ، وَالذُّلُّ يوجِبُ زَوالَ الدَّولَةِ وذَهابَ النِّعمَةِ « 9 » .
تنتهي عملية دراسة تاريخ الإسلام وتحليله على نحو دقيق ، وكذلك تقصّي علل انحطاط الامّة الإسلامية وعوامل أفول نجمها إلى أنّ استئثار عدد من الحكّام وأثَرتهم وفرديتهم ، أدّى إلى إلحاق أضرار ماحقة بحركة هذا الدين وقلّصت من نفوذه وامتداده .
مواجهة الاستئثار
لقد بذل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في عهد نبوّته والإمام عليّ عليه السلام إبّان حُكمه ، قصارى جهودهما للحؤول دون بروز الاستئثار والفردية والاستبداد بين قادة النظام الإسلامي الجديد ، وبذلا ما بوسعهما لوأد هذه الخصلة الخطيرة المدمّرة ، حتى بلغ من حرص نبيّ اللَّه صلى الله عليه وآله على محاصرة هذه الآفة الخطيرة ، أنّه كان يتحرّز من كلّ ما يمتّ إليها
هامش
( 1 ) . شِسْع النَّعل : قِبالُها الذي يُشدّ إلى زِمامِها . والزمام : السَّيرالذي يُعقَد فيه الشسع ( لسانالعرب : ج 8 ص 180 « شسع » )
( 2 ) . المعجم الأوسط : ج 3 ص 174 ح 2840
( 3 ) . صحيح البخاري : ج 3 ص 1381 ح 3582
( 4 ) . المعجم الأوسط : ج 4 ص 134 ح 3798
( 5 ) . اتَّخَذوا دين اللَّه دَغَلًا : أي يخدعون به الناسَ . وأصلُ الدَّغَل : الشَّجَر المُلتَفّ الذي يَكمُن أهل الفساد فيه ( النهاية : ج 2 ص 123 « دغل » )
( 6 ) . خَوَلًا : أي خَدَماً وعبيداً . يعني أنّهم يستخدمونهم ويستعبدونهم ( النهاية : ج 2 ص 88 « خول » )
( 7 ) . دُوَلًا : جمع دُولة - بالضمّ - وهو ما يُتداوَل من المال ، فيكون لقَومٍ دون قوم ( النهاية : ج 2 ص 140 « دول » )
( 8 ) . المستدرك على الصحيحين : ج 4 ص 527 ح 8479
( 9 ) . شرح نهج البلاغة : ج 20 ص 345 ح 961