الحياة الاجتماعيّة إلى التّاريخ من الأهميّة ، بحيث إنّ القرآن الكريم جعل ضمان هذه الحاجة عن طريق الشمس والقمر مِن آيات معرفة اللَّه ، وأدلَّة حكمة الخالق .
ولهذه الأهمّية يمكن الحدس بأنّ المجتمعات الإنسانيّة كان لها منذ فجر التّاريخ محاولات لاحتساب أزمنتها وتواريخها ، ومن الطبيعي أن تكون الحوادث والوقائع التّاريخيّة الهامَّة ، أفضل مبدأ للتّاريخ وأبقاه في المجتمعات البشريّة .
وعلى هذا الأساس فبعد إقامة المجتمع الإسلاميّ في المدينة ، أصبحت الهجرة النبويَّةُ مبدأً للتّاريخ عند المسلمين . وثمَّة رأيان في زمان اتِّخاذ الهجرة مبدأً للتّاريخ :
1 . إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله هو الذي اتّخذ التّاريخ الهجريّ
ويرى هذا الرأي أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله منذ وروده المدينة ، قرّر اتِّخاذ الهِجرة بدايةً للتقويم . وثمّة ما يؤيّد هذا الرأي ، من ذلك ما رواه الطبريّ :
إنَّ النبيَّ لمّا قدم المدينة - وقدمها في شهر ربيع الأوّل - أمر بالتّاريخ . « 1 »
وقد أيّد سماحة السيِّد جعفر مرتضى العامليّ هذا الرأي . « 2 »
2 . إنّ الخليفة الثاني هو الذي اتّخذ ذلك
يرى الرأي الآخر أنَّ الخليفة الثاني عزم في العام السابع عشر من الهجرة على وضع مبدأ للتّاريخ ، وقد ذُكرت له اقتراحات عديدة ، فقال بعضهم : تاريخ الروم ، وبعضهم : تاريخ الفُرس ، وبعضهم : مولد النبيِّ ، وبعضهم : البعثة ، وبعضهم : وفاة النبيِّ . أمّا الإمام عليّ عليه السلام فاقترح الهجرة ، فتمّ الاتّفاق على ذلك .
يقول سعيد بن المسيّب :
قال عمر : متى نكتب التّاريخ ؟ وجمع المهاجرين . فقال له عليّ عليه السلام : من يوم هاجر النبيُّ صلى الله عليه وآله إلى المدينة . فكُتب التّاريخ . « 3 »
إنّ سماحة الشيخ رسول جعفريان جمع بين الرأيين إذ قال :
من مجموع ما روي في هذا المجال ، نفهم أنَّ الهجرة باعتبارها نقطة عطف هامّة في حياة الرسالة ، اتُّخذت مبدأً لتاريخ الحوادث ، وبعد وفاة الرَّسول وظهور حوادث كبيرة أخرى ، من المحتمل أنّ أهميّة الهجرة قد تضاءلت في الأذهان ، أو ربّما نُسيت ؛ إذ يدلّ على ذلك ما يروى عن ابن عبّاس : أنّ النبيَّ صلى الله عليه وآله لما قدم المدينة لم يكن ثمّة مبدأ للتّاريخ ، وبعد شهرين من قدومه استُعمل التّاريخ . ( طبيعيّ أن يكون التّاريخ الهجريّ نفسه ) . وقد استمرّ هذا التّاريخ حتّى وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله ، ثمّ انقطع بعد ذلك ، ولم يكن ثمَّة تاريخ أيَّام خلافة أبي بكر والسّنوات الأربع الأولى من خلافة عمر ، ثم وضع التّاريخ الهجريّ . لذلك يمكن الجمع بين الرأيين ؛ أي إنَّ الهجرة اتُّخذت مبدأ للتّاريخ في حياة
هامش
( 1 ) . تاريخ الطبري : ج 2 ص 388
( 2 ) . راجع : الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله : ج 4 ص 186 - 202
( 3 ) . التاريخ الكبير : ج 1 ص 9