والخيالات ، محترقة بنيران الشهوات ، ملسوعة بسموم العقارب والحيّات .
فلمّا قيّدت كالحمامة بشبكة البدن والقوى أَنِسَتْها بعدما كرهتها ، وألفت بها بعدما أنفت منها ، ونسيت عالمها بعدما ذكرت ، كما قال تعالى :
فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
« 1 » ، وقوله تعالى :
نَسُوا الذِّكْرَ
« 2 » ، وقوله تعالى :
نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
« 3 » ، ورضيت بهذه الحياة الدنيا ، واطمأنّت بها ، ويئست من الآخرة ، وأخلدت إلى الأرض واتّبعت هواها ، كما قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ
« 4 » ، وقال تعالى :
قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ
« 5 » .
فلمّا جهل أبناء الدنيا أحوال الآخرة ومثوباتها اشتغلوا عن ذلك بطلب الدنيا ونعيمها ولذّاتها وشهواتها ، وتمنّوا الخلود فيها ؛ لأنّها محسوسة لهم يشاهدونها بحواسّهم ، وتلك الدار ونعيمها ولذّاتها ومشتهياتها غايبة عنهم وعن إدراك حواسّهم ، فتركوا البحث عنها والرغبة فيها والطلب لها والسعي إلى ذكر اللَّه وذكرالآخرة ، فلا جرم إذاً احتاجت عند ذلك نفوسهم إلى من يذكّرها العهد القديم ، ويجدّد عليها الذكر الحكيم ، ويشوّقها إلى ما عند اللَّه ويسوقها من دار الدنيا إلى الدار الآخرة ، فالرحمة الإلهيّة أجادت بإرسال الرسل إليها وإنزال الكتب عليها ، فمنهم من آمن بهم لبقاء نور الفطرة في قلبه ، ومنهم من صدّ عنهم لانطماس نور فطرته وتراكم ظلمات المعاصي في قلبه .
« حتّى إذا اتّصلت بهاء هبوطها » الأتمّ مكاناً ، ومعنى هبوطها : الاتّصال الحقيقي لا غيره ، من أوّل غاية مبدء ( ميم ) مقرّها الذي هو « مركزها بذات الأجرع » وهو محلّ بوادي العقيق ، تهبّ فيه رياح ليّنة ، قد مزجت بما رُوّح به البيت الشريف ، وكانت
هامش
( 1 ) . طه ( 20 ) : 115 .
( 2 ) . الفرقان ( 25 ) : 18 .
( 3 ) . التوبة ( 9 ) : 67 .
( 4 ) . يونس ( 10 ) : 7 .
( 5 ) . الممتحنة ( 60 ) : 13 .