النفس كالانس « 1 » ، أو لما ورد أنّ أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر « 2 » ، أو لأنّ النفوس لتجرّدها تحبّ ذكاء الرائحة ؛ ولا أذكى من رائحة الحمام ؛ لأنّها لم تتنخّم ؛ « 3 » لاختراقها صافي الهواء ، فاغرة أفواهها فتلطّف ، وشأن الهواء التلطيف .
« ذات تعزّز وتمنّع » إمّا أن يكون المعنى : ذات تعزّز وتمنّع من دخول هذا الجسد لدخولها إليه مكرهة ، وإمّا أن يكون المعنى : ذات تعزّز وتمنّع وحصانة من الشوائب المغيّرة لها ؛ لاتخاذها هذا البدن محلّاً كالقفص للطائر ، والبيت للإنسان ، تبلغ به مآربها الموجبة لارتفاعها مآلًا .
والكاف في قوله : « إليك » إن أريد نفسك فيراد من الورقاء : الروح ، ومن المحلّ الأرفع : العالم القدسي العقلي ، وإن أريد بها : بدنك فالورقاء هي النفس ، والمحلّ الأرفع : هو عالم الجنّة ، والثاني أنسب بما بعده .
وقوله : « محجوبة عن كلّ مقلة عارف » البيت ، حاصله : أنّ النفس لتجرّدها محجوبة متبرقعة عن الأبصار ، ولنورانيّتها وسفور وجهها مكشوفة للبصائر ، والسفر :
كشف الوجه ، والتبرقع : ستره ، وتقديم لفظ الكلّ عليها لرعاية الوزن .
« وصلت على كره إليك » إمّا منها فقط أو من الجسم فقط أو منهما معاً ، لا سبيل إلى الثاني ؛ إذ لا شعور له ، ولا إلى الثالث لذلك أيضاً ، فتعيّن الأوّل ، لكراهتها مفارقة الأنوار الباهرة ، والتعلّق بظلمات كثيفة ، وهي مع كراهتها التعلّق بك أيّها البدن - لما ذكر - ربّما كرهت فراقك إذا عرض لك أسباب الاضمحلال وانحلال الأجزاء ، فاشمأزّت من التألّم ، وكرهت تلك العوارض ، ومالت إلى جلب الصحّة ، وهي « ذات تفجّع » على فراقك إذا وعدت بالمفارقة ، فكيف إذا وقعت بالفعل ؟ وهذا من الغرائب ، تدخل هذا البدن مكرهة وتخرج منه مكرهة وتتأسّف على فراقه .
« أنفت » أي أعرضت عن الدخول إلى هذا الهيكل ؛ احتقاراً له لعدم مناسبة بينها
هامش
( 1 ) . انظر : وسائل الشيعة ، ج 11 ، ص 526 ، باب استحباب اتّخاذ الورشان وسائر الدواجن في البيت .
( 2 ) . راجع : مستدرك الوسائل ، ج 7 ، ص 518 . وفيه : « أنّ من صام في السابع وعشرين من رجب ومات في يومه أو في ليلته مات شهيداً ويجعل اللَّه روحه في حواصل طير أخضر » .
( 3 ) . لم تتنخّم : لم تتقيّأ .