وتندرس آثارها بموت العلماء العارفين ؛ لأنّهم لا يجدون من يليق لتحمّلها بعدهم .
قال البهائيّ :
قسّم عليه السلام الذين ليس لهم أهليّة تحمّل العلم إلى أربعة أقسام :
أوّلها : جماعة فسقة لم يريدوا بالعلم وجه اللَّه سبحانه ، بل إنّما أرادوا به الرياء والسمعة ، وجعلوه شبكة لاقتناص اللذّات الدنيّة والمشتهيات الدنيويّة .
وثانيها : قومٌ من أهل الصلاح ولكن ليس لهم بصيرة في الوصول إلى أغواره والوقوف على أسراره ، بل إنّما يصلون إلى ظاهره ، فتنقدح الشكوك في قلوبهم من أوّل شبهة تعرض لهم .
وثالثها : جماعة لا يتوصّلون بالعلم إلى المطالب الدنيويّة ولا هم عادمون للبصيرة في إخفائه بالكلّيّة ولكنّهم اسراء في أيدي القوى البهيميّة ، منهمكون في الملاذّ الواهية الوهميّة .
ورابعها : طائفة سلموا من تلك الصفات الذميمة وسلكوا الطريقة المستقيمة لكنّهم لم يخلصوا من صفة خسيسة أخرى ، وهي حبّ المال وادّخاره وجمعه وإكثاره .
وبالجملة ، فلابدّ لطالب العلم الحقيقيّ من تقديم طهارة النفس عن رذائل الأخلاق وذمائم الأوصاف ؛ إذ العلم عبادة القلب وصلاته ، وكما لا تصحّ الصلاة - التي هي وظيفة الجوارحالظاهرة - إلّابتطهير الظاهر منالأحداث والأخباث ، كذلك لا تصحّ عبادة القلب وصلاته إلّابعد طهارته عن خبائث الأخلاق وأنجاس الأوصاف « 1 » .
ثمّ لمّا كانت سلسلة العلم والعرفان لا تنقطع بالكلّيّة ما دام نوع الإنسان ، بل لابدّ من إمام حافظ للدين في كلّ زمان كما تقتضيه قواعد أهل الإيمان استدرك كلامه عليه السلام بقوله :
« اللّهمَّ بلى لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة » ، وفي النهج : « بحججه إمّا ظاهراً مشهوراً » كأميرالمؤمنين عليه السلام « أو خائفاً مغموراً » كالقائم عليه السلام أو كباقي الأئمّة عليهم السلام المستورين للخوف والتقيّه . ويحتمل أن يكونوا داخلين في الظاهر المشهور .
( وكم وأين ) استبطاء لمدّة غيبة القائم عليه السلام وتبرّمٌ من امتداد دولة أعدائه ، أو إبهام لعدد الأئمّة عليهم السلام وزمان ظهورهم ومدّة دولتهم ؛ لعدم المصلحة في بيانه .
هامش
( 1 ) . الأربعون حديثاً للبهائي ، ص 429 - 430 .