إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة والآثار المتظافرة ، ولو كانت الشفاعة كما يقول الوعيديّة في زيادة المنافع لا غير لكنّا شافعين في النبيّ صلى الله عليه وآله حيث نطلب له من اللَّه علوّ الدرجات ، والتالي باطل قطعاً ؛ لأنّ الشفيع أعلى من المشفوع فيه ، فالمقدّم مثله .
فصل [ أدلّة القائلين بنفي الشفاعة لمرتكبي الكبائر ومناقشتها ]
استدلّ المعتزلة القائلون بنفي الشفاعة بالمعنى الذي ذكرناه ، وبخلود مرتكب الكبيرة ولو مرّة واحدة في النار بوجوه :
منها : قوله تعالى :
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
« 1 » . ووجه الاستدلال من ثلاثة وجوه :
الأوّل : قوله تعالى :
لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً
ولو أثّرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكان قد جزت نفس عن نفس شيئاً .
الثاني :
وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ
فإنّه نكرة في سياق النفي فيعمّ .
الثالث : قوله
وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
إذ الشفاعة ضرب من النصرة .
والجواب - مع قطع النظر عمّا تقدّم من الأخبار في توجيه الآية - من وجهين :
الأوّل : أنّ اليهود كانوا يزعمون أنّ آباءهم يشفعون لهم ، فالآية نزلت فيهم ، فهي مخصوصة بهم .
الثاني : أنّ الآية وإن كان ظاهرها العموم إلّاأنّها مخصّصة بغيرها من الآيات المؤيّدة بالأخبار .
ومنها : العمومات الواردة في وعيد الفسّاق ، والآيات الدالّة على الخلود المتناولة للكافر وغيره كقوله :
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها
« 2 » ، وليس المراد تعدّي جميع الحدود بارتكاب المعاصي كلّها تركاً وإتياناً ، فإنّه محال ؛ لما بين البعض من التضاد ، كاليهوديّة والنصرانيّة والمجوسيّة ، فيحمل على مورد الآية من حدود المواريث .
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 48 .
( 2 ) . النساء ( 4 ) : 14 .