بيان :
هذا الحديث من غوامض الأخبار ومتشابهات الآثار ، الموكول علم حقيقته إلى معادن الوحي والأسرار ، ولكنّا نذكر له بياناً على سبيل الاحتمال ، واللَّه العالم بحقيقة الحال :
ولعلّ غرض السائل الاستفهام عن كيفيّة علمه تعالى بالأشياء بأنّه هل هو مستند إلى الحضور العينيّ والشهوديّ وقت وجود الأشياء وحصولها - كما في علومنا - أو أنّه مستند إلى الذات سابق على الأشياء ، متعلّق بالمكوّنات قبل تكوينها وإيجادها ؟
فأجاب عليه السلام : بأنّ علمه سابق على الأشياء ، متقدّم عليها ، وبينه وبين وجودها وسائط ، فقال عليه السلام :
( علم ) ، والعلم ما به ينكشف الشيء ، أي علم في الأزل بأنّه سيوجد الأشياء .
( وشاء ) ما يكون في وجوده مصلحة ، ويكون وجوده خيراً محضاً أو خيراً غالباً .
والمشيّة لنا ملاحظة الشيء بأحوالٍ مرغوب فيها توجب فينا ميلًا ، دون المشيّة له سبحانه ؛ لتعاليه عن التغيّر والاتّصاف بالصفات الزائدة ، ففيه وفي ما بعده ونحوهما تؤخذ الغايات ، وتترك المبادي .
( وأراد ) إرادة عزم ، ولعلّ المراد بالإرادة : العزيمة على ما يشاء ، أو الثبوت عليه ، وأصل الإرادة : تحريك الأسباب نحو الشيء بحركة نفسانيّة فينا ، بخلاف الإرادة فيه سبحانه . وقيل : إنّ المشيّة هي ا لعلم بالشيء مع ما يترجّح به وجوده ، فهي نوع من العلم مغايرة للإرادة حينئذٍ .
( وقدّر ) أي قدّر الأشياء أوّلها وآخرها ، وحدودها وذواتها ، وصفاتها وآجالها ، وأرزاقها إلى غير ذلك ممّا يعتبر في كمالها وتميّزها وتشخيصها ، والقدر : التحديد وتعيين الحدود والأوقات .
( وقضى ) أي حكم بوجود تلك الأشياء في الأعيان على وفق الحكمة والتقدير ، والقضاء هو : الحكم والإيجاب .
( وأمضى ) أي أنفذ حكمه وأتمّه ، فجاءت الأشياء كما أرادها وقدّرها ، وقضاها مع أسبابها وشرائطها ، وتميّزاتها وتشخّصاتها في أماكنها ومساكنها طوعاً وانقياداً .
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار — صفحة 80
مساهمون: السيد عبد الله شبر
ص٨٠