أحدها : ما ذكره الفيلسوف النحرير ، والمحقّق الخبير السيّد السند العماد محمّد باقر الداماد ، في نبراس الضياء ، قال :
البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع ، فما في الأمر التشريعيّ والأحكام التكليفيّة « 1 » نسخ ، فهو في الأمر التكوينيّ والمكوّنات الزمانيّة بداء ، فالنسخ كأنّه بداء تشريعيّ ، والبداء كأنّه نسخ تكوينيّ ، ولا بداء في القضاء بالنسبة إلى جناب القدّوس الحقّ ، والمفارقات المحضة من الملائكة القدسيّة ، وفي متن الدهر الذي هو ظرف مطلق الحصول القارّ والثبات الباتّ ، ووعاء عالم الوجود كلّه .
وإنّما البداء في القدر وفي امتداد الزمان الذي هو أفق التقضّي والتجدّد ، وظرف التدريج والتعاقب ، وبالنسبة إلى الكائنات الزمانيّة ومن في عالم الزمان والمكان ، وإقليم المادّة والطبيعة .
وكما أنّ حقيقة النسخ عند التحقيق : انتهاء الحكم التشريعيّ وانقطاع استمراره ، لا رفعه وارتفاعه عن وعاء الواقع ، فكذا حقيقة البداء - عند الفحص البالغ - [ انبتات ] « 2 » استمرار الأمر التكوينيّ ، وانتهاء اتّصال الإفاضة ، ومرجعه إلى تحديد زمان الكون وتخصيص وقت الإفاضة ، لا أنّه ارتفاع المعلول الكائن عن وقت كونه وبطلانه في حدّ حصوله . « 3 » وثانيها : ما ذكره بعض المحقّقين في شرحه على الكافي ، وتبعه المحدّث الكاشانيّ في الوافي ، وهو :
أنّ القوى المنطبعة الفلكيّة لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الأمور دفعة واحدة ؛ لعدم تناهي تلك الأمور ، بل إنّما ينتقش فيها الحوادث شيئاً فشيئاً ، وجملة فجملة ، مع أسبابها وعللها على نهج مستمرّ ونظام مستقرّ ، فإنّ ما يحدث في عالم الكون والفساد إنّما هو من لوازم حركات الأفلاك المسخّرة للَّه ، ونتائج بركاتها ، فهي تعلم أنّ كلّما كان كذا كان كذا ، فمهما حصل لها العلم بأسباب حدوث أمرمّا في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه ، فينتقش فيها ذلك الحكم .
وربّما تأخّر بعض الأسباب الموجب لوقوع الحوادث على خلاف ما يوجبه بقية
هامش
( 1 ) . في المصدر : « التشريعيّة التكليفيّة والوضعيّة والمتعلّة بأفعال المكلّفين » بدل قوله : « التكليفيّة » .
( 2 ) . أثبتناه من المصدر ، وهو بمعنى الانقطاع ، وفي نسخ الكتاب ومطبوعه : « إثبات استمرار . . . » وهو سهوٌ .
( 3 ) . نبراس الضياء ، ص 55 - 57 ، مع اختلاف يسير وتلخيص لبعض العبائر .