فرفع رأسه إلى السماء وقال : اللّهمَّ إنّه قد ثبت لك عليها أربع شهادات ، وإنّك قد قلت لنبيّك صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخبرته به من دينك : « يا محمّد ، من عطّل حدًّا من حدودي فقد عاندني وطلب بذلك مضادَّتي » ، اللّهمَّ فانّي غير معطّل حدودك ولا طالب مضادَّتك ولا مضيّع لأحكامك ، بل مطيع لك ومتّبع سنّة نبيّك ، قال : فنظر إليه عمرو بن حريث وكأ نّما الرمّان يفقأ في وجهه ، فلمّا رأى ذلك عمرو قال :
يا أمير المؤمنين ، إنّني إنّما أردت أن أكفله إذ ظننت أنك تحبُّ ذلك ، فأمّا إذا كرهته فإنّي لست أفعل ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أبعد أربع شهادات باللَّه ! لتكفلنّه وأنت صاغر ، فصعد أمير المؤمنين عليه السلام المنبر فقال : يا قنبر ، نادِ في الناس الصلاة جامعة ، فنادى قنبر في الناس ، فاجتمعوا حتّى غصّ المسجد بأهله .
وقام أمير المؤمنين - صلوات اللَّه عليه - فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثمّ قال : أيّها الناس ، إنّ إمامكم خارج بهذه المرأة إلى هذا الظهر ليقيم عليها الحدّ إن شاء اللَّه ، فعزم عليكم أمير المؤمنين لمّا خرجتم وأنتم متنكّرون ومعكم أحجاركم ، لا يتعرَّف أحد منكم إلى أحد حتّى تنصرفوا إلى منازلكم إن شاء اللَّه ، قال : ثمّ نزل ، فلمّا أصبح الناس بكرة خرج بالمرأة ، وخرج الناس متنكّرين متلثّمين بعمائمهم وبأرديتهم ، والحجارة في أرديتهم وفي أكمامهم حتّى انتهى بها والناس معه إلى الظهر بالكوفة ، فأمر أن يحفر لها حفيرة ، ثمّ دفنها فيها ، ثمّ ركب بغلته وأثبت رجليه في غرز الركاب ، ثمّ وضع إصبعيه السبّابتين في اذنيه ، ثمّ نادى بأعلى صوته : يا أيّها الناس ، إنّ اللَّه - تبارك وتعالى - عهد إلى نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم عهداً عهده محمّد صلى الله عليه وآله وسلم إليَّ بأ نّه لا يقيم الحدّ مَن للَّهعليه حدّ ، فمن كان للَّهعليه حدّ مثل ماله عليها فلا يقيم عليها الحدّ ، قال : فانصرف الناس يومئذٍ كلّهم ما خلا أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام ، فأقام هؤلاء الثلاثة عليها الحدَّ يومئذٍ ومامعهم غيرهم ؛ قال :
وانصرف فيمن انصرف يومئذٍ محمّد ابن أمير المؤمنين . « 1 »
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 7 ، ص 187 ( كتاب الحدود ، باب آخر من صفة الرجم ، ح 1 ) ؛ بحار الأنوار ، ج 40 ، ص 290 ( تاريخ أمير المؤمنين عليه السلام ، باب قضاياه وماهدى قومه إليه ممّا أشكل عليه ، ح 65 ) .