ولِيَجزِيَنا عَلى ذلِكَ جَزاءَ المُحسِنينَ .
وَالحَمدُ للَّهِ الَّذي حَبانا « 1 » بِدينِهِ ، وَاختَصَّنا بِمِلَّتِهِ ، وسَبَّلَنا « 2 » في سُبُلِ إحسانِهِ ، لِنَسلُكَها بِمَنِّهِ إلى رِضوانِهِ ؛ حَمداً يَتَقَبَّلُهُ مِنّا ، ويَرضى بِهِ عَنّا .
وَالحَمدُ للَّهِ الَّذي جَعَلَ مِن تِلكَ السُّبُلِ شَهرَهُ رَمَضانَ ؛ شَهرَ الصِّيامِ ، وشَهرَ الإِسلامِ ، وشَهرَ الطَّهورِ ، وشَهرَ التَّمحيصِ « 3 » ، وشَهرَ القِيامِ
« الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ »
. « 4 »
فَأَبانَ فَضيلَتَهُ عَلى سائِرِ الشُّهورِ بِما جَعَلَ لَهُ مِنَ الحُرُماتِ المَوفورَةِ وَالفَضائِلِ المَشهُورَةِ ، فَحَرَّمَ فيهِ ما أحَلَّ في غَيرِهِ إعظاماً ، وحَجَرَ « 5 » فيهِ المَطاعِمَ وَالمَشارِبَ إكراماً ، وجَعَلَ لَهُ وَقتاً بَيِّناً ؛ لا يُجيزُ - جَلَّ وعَزَّ - أن يُقَدَّمَ قَبلَهُ ، ولا يَقبَلُ أن يُؤَخَّرَ عَنهُ .
ثُمَّ فَضَّلَ لَيلَةً واحِدَةً مِن لَياليهِ عَلى لَيالي ألفِ شَهرٍ ، وسَمّاها لَيلَةَ القَدرِ
« تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ »
« 6 » ، سَلامٌ دائِمُ البَرَكَةِ إلى طُلوعِ الفَجرِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِما أحكَمَ مِن قَضائِهِ .
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ ، وأَلهِمنا مَعرِفَةَ فَضلِهِ ، وإجلالَ حُرمَتِهِ ، وَالتَّحَفُّظَ مِمّا حَظَرتَ « 7 » فيهِ ، وأَعِنّا عَلى صِيامِهِ بِكَفِّ الجَوارِحِ عَن مَعاصيكَ ، وَاستِعمالِها فيهِ بِما يُرضيكَ ؛ حَتّى لا نُصغِيَ بِأَسماعِنا إلى لَغوٍ ، ولا نُسرِعَ بِأَبصارِنا إلى لَهوٍ ، وحَتّى لا نَبسُطَ أيدِيَنا إلى مَحظورٍ ، ولا نَخطُوَ بِأَقدامِنا إلى مَحجورٍ ، وحَتّى لا تَعِيَ « 8 » بُطونُنا إلّا
هامش
( 1 ) . حبا فلاناً : أعطاه بلا جزاء ولا منّ ، وحاباه : اختصّه ( القاموس المحيط : ج 4 ص 315 ) .
( 2 ) . السبيل : الطريق ( النهاية : ج 2 ص 338 ) . وسبّل الشيء : أباحه ، كأنّه جعل إليه طريقاً مطروقاً .
( 3 ) . التمحيص : الابتلاء والاختبار . وتمحيص الذنوب : تطهيرها ( تاج العروس : ج 9 ص 359 و 360 ) .
( 4 ) . البقرة : 185 .
( 5 ) . أي حرّم . والحِجْرُ : الحرام ( الصحاح : ج 2 ص 623 ) .
( 6 ) . القدر : 4 .
( 7 ) . حظرتُ الشيءَ : حرّمته ( النهاية : ج 1 ص 405 ) .
( 8 ) . وَعى : جَمَع من الطعام والشراب ( النهاية : ج 5 ص 207 ) .