تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح دعاء أبي حمزة الثمالي — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
وقد قدّمنا في فصلٍ من هذا الكتاب أنّ المنادي ينادي عن اللَّه جلّ جلاله في شهر رمضان من أوّل اللّيل إلى آخره ، وإيّاك ثمّ إيّاك أن تعرض عن منادِ اللَّه جلّ جلاله ، وهو يسألك أن تطلب منه ما تقدر عليه من ذخائره ، وأنت محتاج إلى دون ما دعاك إليه ، فاغتنم فتح الأبواب ونداء المنادي عن مالك الأسباب ، وإن لم تسمع أُذناك فقد سمع العقل والقلب إن كنت مسلماً مصدّقاً بمولاك ومالك دنياك ، وأُخراك ، فمن الدعاء في سحر كلّ ليلة من شهر رمضان ما رويناه بإسنادنا إلى أبي محمّد هارون بن موسى التلّعُكبري رضي اللَّه تعالى عنه ، بإسناده إلى الحسن بن محبوب الزرّاد عن أبي حمزة الثمالي ، أنّه قال : كان عليّ بن الحسين سيّد العابدين صلوات اللَّه عليه ، يصلّي عامّة ليله في شهر رمضان ، فإذا كان في السحر دعا بهذا الدعاء . أحد تعاليم الأديان هو طرحها لمفهومٍ اسمه « الذنب » ، فهذا المفهوم لا وجود له في المدارس والمذاهب غير الدينية . والذنب معنىً متعدّد ، والجحود . ومن جهةٍ يعني إيذاء الذات والإضرار بالنفس وجه الروح ، ويعني من جهةٍ أُخرى استحقاق العذاب . ومجموع هذه المعاني يخلق مفهوماً يُسمّى في الشرائع « ذنباً » . ويختلف نوع الذنب تبعاً لاختلاف الفرد ومرتبته وسيره في مدارج المعنى والسلوك . فحينما يعصي أحد أمر اللَّه ، ويجفو محبوبه ، ولا يعمل وفقاً لمقتضيات المحبّة والمودّة الإلهيّة ، أو لا يشكر المنعم بما هو أهل له من الشكر ، أو يُسيء إلى نفسه ويؤدّي إلى تعكير صفو باطنه وظلمة نفسه ، ففي كلّ هذه الحالات يُعتبر الشخص مذنباً وآثِماً . ومن أهمّ خواصّ الدعاء أنّه يذيق الإنسان في كلّ هذه الموارد طعم المغفرة ؛ أي أنّه يخلق لديه نوعاً من الشعور الباطني بالنجاة من الظلمة ، ويحسّ على أثر ذلك بزوال ذلك الظلام الباطني وتبدّد الكدورة التي أكمّت بالقلب ، وأنّ علاقته باللَّه التي انتابها شيء من الخلل واعتراها الاضطراب قد استعادت قوّتها ورجعت على ما كانت عليه . وهذا الأمر كما ذكرنا سابقاً لا يختصّ بشريعة معيّنة . ومن ذلك على سبيل المثال أنّ المفكّرين المسيحيّين قالوا أيضاً بأنّ الشخص يشعر أحياناً أثناء الدعاء وكأنّه يُقال له إنّك قد غُفِر لك . وسماع هذا النداء وبلوغ هذا الإيحاء إلى أعماق الباطن يُعدُّ من ألذّ الأحوال التي ينالها الداعي التقيّ والعابد الورع .